spotcastplatform

عندما يتحوّل خلافٌ صغير إلى فتيل طائفي…

أمس، شهدت بلدة رحبة حادثة مؤسفة بعد اعتداء شرطة البلدية على مجموعة شبّان قاصرين كانوا يتجوّلون ليلًا على درّاجات نارية. الاعتداء لم يقتصر على المصادرة أو التنبيه، بل وصل إلى الضرب والشتم والسباب، وهو أمر يخرج تمامًا عن حدود الصلاحيات القانونية والأخلاقية لأي جهاز بلدي، خصوصًا عندما يكون المستهدف أطفالًا ما زالوا دون السن القانوني.

صحيح أنّ مشهد الدراجات النارية ليلًا قد يبدو مستفزًا أو مزعجًا للبعض، لكنّه لا يبرّر بأي شكل ممارسة العنف الجسدي، ولا يسمح بتحويل الشرطة البلدية إلى جهة عقابية خارجة عن القانون. هنا تبدأ المشكلة، لكن ليست هذه نهايتها.

فالواقعة لم تبقَ حادثًا بين شرطة بلدية وشبّان صغار من بلدة الحويش، بل تحوّلت بسرعة إلى خلاف طائفي مكتمل العناصر بين أبناء رحبة ذات الغالبية المسيحية، والحويش ذات الغالبية المسلمة. خلال ساعات، صار النقاش:
هل ضُربوا لأنّهم يقودون الدراجات ليلًا؟
أم لأنّهم مسلمون في بلدة ذات غالبية مسيحية؟

وبين من يبرّر العنف بحجّة “ضبط الفوضى”، ومن يراه استهدافًا طائفيًا مباشرًا، تَظهر الحقيقة المؤلمة:
نحن في عكّار نعيش تعايشًا هشًّا، يشبه واجهة جميلة تُستخدم عند الحاجة، لكنّها تنهار عند أوّل احتكاك.

عكّار لطالما كانت مساحة مختلطة، يعيش فيها المسلمون والمسيحيون والمدن والقرى بشكل متداخل وهادئ. ولكن مثل بقيّة لبنان، هذا التعايش يتراجع، يضعف، ويظهر على حقيقته عند أوّل حادث بسيط. فحادثة بين شرطة بلدية وأطفال، كان يفترض أن تُعالَج بمحضر قانوني واعتذار رسمي، تحوّلت خلال ساعات إلى معركة هوية وانتماء.

إنّ ما جرى ليس مجرّد خلاف محلي. إنّه مؤشر على انهيار أعمق:
انهيار الثقة، وانهيار العقد الاجتماعي، وانهيار القدرة على الفصل بين خطأ أفراد وبين هوية طائفة كاملة.
وهو دليل واضح على أنّ التعايش في عكّار، كما في بقية لبنان، ليس متينًا كما نحبّ أن نردّد، بل هو هشّ، سريع التكسّر، ومعرّض للانهيار عند كلّ مفترق.

علينا الاعتراف:
المشكلة ليست درّاجة نارية، ولا شرطيًا متوترًا، ولا شابًا مراهقًا.
المشكلة في بلد صار فيه كلّ خلاف عادي قابلًا للتحوّل إلى صراع وجودي.
وما لم يبادر الجميع: بلديات، مشايخ، رجال دين، فاعليات، أهالٍ… إلى احتواء الأمور، فحادثة رحبة لن تكون الأخيرة، بل ستكون فصلًا جديدًا في كتاب انهيار طويل.

Facebook
X
WhatsApp

النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية لدينا للحصول على معلومات التحديث والأخبار والرؤى المجانية.