spotcastplatform

الصحفي المواطن في المجتمعات الأقل تمثيلًا: دعم أم تشويه للممارسات الديمقراطية؟

دراسة حالة محافظة عكار قبل الانتخابات النيابية 2026

في المناطق التي تعاني تاريخيًا من ضعف التمثيل الإعلامي، لا يظهر “الصحفي المواطن” بوصفه ترفًا رقميًا، بل كضرورة فرضها الغياب. محافظة عكار، بوصفها إحدى أكثر المناطق اللبنانية تهميشًا سياسيًا وإعلاميًا، تقدم نموذجًا واضحًا لهذا الواقع. فبين صفحات فيسبوك المحلية، ومجموعات واتساب، وحسابات فردية تحولت إلى مصادر أخبار يومية، بات المواطن نفسه ناقلًا للحدث، ومعلّقًا عليه، وأحيانًا صانعًا لاتجاهه.
لكن مع اقتراب الانتخابات النيابية 2026، يطفو سؤال إشكالي على السطح:
هل يساهم هذا الدور في توسيع المشاركة والمساءلة، أم يتحول إلى أداة تعبئة وتشويه للعملية الديمقراطية؟
هذا المقال لا يدّعي تقديم إجابة نهائية، بل يطرح السؤال للنقاش العام، على أن تُستكمل نتائجه التحليلية بعد انتهاء الاستحقاق الانتخابي وظهور آثاره الفعلية.

عكار: الهامش الذي ينتج إعلامه بنفسه
تعاني عكار من غياب شبه مزمن عن التغطية الإعلامية الوطنية، إلا في حالات الكوارث أو المواسم الانتخابية. هذا الغياب خلق فراغًا معلوماتيًا ملأه سكان المنطقة عبر وسائل التواصل الاجتماعي. صفحات محلية باتت تنقل أخبار انقطاع الكهرباء، أو تدهور الطرقات، أو احتجاجات مطلبية، وأحيانًا ملفات فساد أو إهمال إداري.
في هذا السياق، لعب “الصحفي المواطن” دورًا تعويضيًا؛ إذ وفّر حدًا أدنى من التوثيق والرقابة الشعبية، وسمح لأصوات محلية أن تظهر خارج الأطر الحزبية التقليدية. غير أن هذا الدور، ومع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، يبدأ بالتحول من نقل الوقائع إلى التأثير في الخيارات السياسية.

من الصحفي المواطن إلى الفاعل السياسي
تُظهر تجارب دولية ومحلية أن الصحافة المواطنية في البيئات الهجينة—حيث تختلط الديمقراطية الشكلية بالزبائنية السياسية—نادراً ما تبقى محايدة. فالمحتوى الذي يبدأ كتوثيق لحدث عام، قد يتحول تدريجيًا إلى خطاب تعبوي، خصوصًا حين يدخل منطق “التفاعل” و”الانتشار” على الخط.
في عكار، يمكن رصد هذا التحول في:
​•​التركيز المتزايد على شخصيات سياسية محددة بدل القضايا العامة.
​•​استخدام لغة اتهامية أو تخوينية بلا توثيق كافٍ.
​•​تداول مقاطع فيديو مبتورة أو معلومات غير مكتملة، تُقدَّم على أنها “سبق صحفي”.
هنا يبرز التمايز الضروري بين ثلاثة أدوار متداخلة:
​1.​الصحفي المواطن: يوثق الحدث، يذكر المصدر، ويفصل بين الخبر والرأي.
​2.​الناشط الرقمي: ينطلق من موقف سياسي أو قيمي واضح، ويستخدم المحتوى لدعم قضية.
​3.​المروّج الانتخابي غير المعلن (أو “القاشط”): يوظف أدوات الصحافة المواطنية لخدمة مرشح أو جهة، غالبًا دون شفافية أو إعلان.
غياب هذا التمييز في وعي الجمهور، وأحيانًا في وعي الفاعلين أنفسهم، يخلق حالة من الالتباس تؤثر مباشرة في جودة النقاش العام.

الصحفي المواطن والممارسات الديمقراطية: دور حاسم للمنصات البديلة
بعكس الصورة النمطية التي تختزل الصحفي المواطن في الفرد المنفرد، تُظهر التجربة اللبنانية وفي عكار أيضًا أن المسار الأكثر دعمًا للممارسات الديمقراطية تقوده منصات إعلامية بديلة محلية، لا حسابات فردية متفرقة.
هذه المنصات، التي ظهرت في لبنان خلال العقد الأخير كرد فعل على أزمة الثقة بالإعلام التقليدي، تمتاز بعدة خصائص:
​•​محتوى متسق لا يتبدل بتبدل المزاج السياسي.
​•​تركيز على القضايا لا الأشخاص، من الخدمات العامة إلى السياسات المحلية.
​•​لغة أقل انفعالية وأكثر تفسيرية، حتى عند النقد.
​•​محاولات للفصل بين التغطية والرأي، ولو بحدودها الدنيا
في عكار، تلعب بعض هذه المنصات دورًا محوريًا في تعزيز الممارسة الديمقراطية، عبر:
​•​توفير معلومات أساسية عن الاستحقاق الانتخابي.
​•​طرح أسئلة على المرشحين بدل الاكتفاء بنقل خطاباتهم.
​•​تشجيع النقاش العام حول البرامج والخيارات، لا الولاءات فقط.
في المقابل، يُلاحظ أن المسار المُشوِّه للعملية الديمقراطية غالبًا ما تقوده حسابات أو صفحات ذات محتوى متقلب، يشتد حضوره مع اقتراب الانتخابات ويخبو بعدها، ويرتكز على الإثارة، أو التخوين، أو إعادة إنتاج الزبائنية بصيغة رقمية.
الفارق هنا ليس في الأداة، بل في المنهج:
منصة بديلة ذات رؤية تحريرية—حتى إن كانت بسيطة—تختلف جذريًا عن حساب يسعى فقط إلى حصد التفاعل.
الخطر لا يكمن في وجود الصحافة المواطنية، بل في غياب الأطر الأخلاقية والمعرفية التي تنظّمها، خصوصًا في موسم انتخابي تتكثف فيه المصالح والضغوط.

المنصات الرقمية واقتصاد التفاعل
تلعب خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي دورًا حاسمًا في هذا المشهد. فالمحتوى الأكثر إثارة—غضبًا أو سخرية أو تخوينًا—هو الأوسع انتشارًا. هذا “اقتصاد التفاعل” يدفع بعض الصفحات والحسابات، عن قصد أو دون قصد، إلى تبني خطاب حاد يضمن الوصول، ولو على حساب الدقة.
في مناطق مهمشة مثل عكار، حيث تُعد هذه الصفحات المصدر الأساسي للمعلومات السياسية، يصبح تأثير هذا المنطق مضاعفًا، وقد يوجّه خيارات الناخبين على أساس انفعالي لا معرفي.

حدود هذا البحث وأفقه
من المهم التأكيد أن هذا المقال يندرج ضمن بحث تمهيدي/استكشافي. فهو يعتمد على رصد أولي للمحتوى الرقمي، وملاحظات ميدانية، ومقابلات غير منشورة مع فاعلين محليين.
النتائج الحقيقية لتأثير الصحفي المواطن على العملية الديمقراطية في عكار لا يمكن قياسها بدقة إلا بعد انتهاء الانتخابات، عبر:
​•​مقارنة الخطاب الرقمي بسلوك التصويت الفعلي.
​•​تحليل مدى استدامة المشاركة السياسية بعد الانتخابات.
​•​تقييم ما إذا كان المحتوى المواطنِي قد عزز المساءلة أم اكتفى بالتعبئة الموسمية.

بالتالي، لا يدّعي هذا المقال إصدار حكم نهائي، بل يسعى إلى فتح نقاش مبكر وضروري قبل فوات الأوان.
السؤال أهم من الجواب (حتى الآن)
في عكار، كما في كثير من المجتمعات الأقل تمثيلًا، يقف الصحفي المواطن عند مفترق طرق:
إما أن يكون أداة تمكين ديمقراطي، أو أن ينزلق—بوعي أو بدونه—إلى دور “القاشط” الذي يسطّح السياسة ويعيد إنتاج اختلالاتها.

بين هذين الخيارين، لا يكفي الاحتفاء بدور المواطن ولا شيطنته. المطلوب هو:
​•​رفع الوعي بدور ومسؤولية من ينشر.
​•​بناء ثقافة تصحيح وتحقق.
​•​مساءلة غير رسمية، لكنها مجتمعية، للمحتوى المؤثر في الرأي العام.
حتى أيار 2026، يبقى السؤال مفتوحًا. والإجابة، هذه المرة، لن تأتي فقط من صناديق الاقتراع، بل من كيفية تشكّل الوعي العام قبلها.

Facebook
X
WhatsApp

النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية لدينا للحصول على معلومات التحديث والأخبار والرؤى المجانية.