ُحكى، لا عن مملكة بعيدة ولا عن حكاية للأطفال، بل عن أميرة اسمها عكّار.
أميرة وُلدت غنيّة بكل ما يُفترض أن يصنع دولة: أرض واسعة، مياه وفيرة، حدود، مرفق جوي، ومرفأ بحري، والأهم شعب صبور لا يزال يصدّق الحكايات.
لكن هذه الأميرة عاشت دائمًا خارج القصر.
تُستدعى عند الانتخابات، وتُنسى عند كتابة القرارات.
يُرفع اسمها في الخطابات، ويُمحى في الموازنات.
في سنة 2022، قيل لها إن سبعة سيأتون.
سبعة ليسوا أمراء، لكنهم وُصفوا بالخُدّام الأمناء.
سبعة أقسموا أن يكونوا صوتها في مجلس الكبار، وأن يحوّلوا الحرمان من مادة خطاب إلى مادة اشتباك سياسي.
ابتسمت عكّار، وانتظرت.
الذين وصلوا لم يحملوا معاول ولا خرائط ولا ملفات.
وصلوا كقطع ديكور.
سبعة مزهريات، مختلفة الأشكال، متشابهة الفراغ.
في القصة الأصلية، الأقزام كانوا يعملون ليلًا ونهارًا.
في نسخة عكّار، العمل كان كلمة ثقيلة على اللسان.
كانوا نشطين حين تُفتح الكاميرات، صامتين حين تُغلق الأبواب.
يتقنون فنّ الظهور، ويجهلون فنّ الفعل.
لا مبادرات تشريعية تُذكر، لا معارك تُخاض، ولا كلفة سياسية تُدفَع.
مرّت السنوات، والطرق بقيت محفّرة.
ليس لأن الدولة عاجزة عن الزفت، بل لأن من يفترض أن يصرخ لم يصرخ.
تحوّل إنماء الطرق إلى صور، وتحولت الصور إلى أرشيف، وبقيت الحفر كما هي، شاهدة على غياب القرار لا على غياب المال.
شباب عكّار لم يطلبوا المستحيل.
طلبوا عملًا، كرامة، أفقًا.
لكنهم وجدوا أنفسهم على مراكب الهجرة، أو على أبواب السفارات، أو في بطالة قسرية داخل أرضهم.
المدارس صارت عبئًا، والأقساط صارت حلمًا، والتعليم بات امتيازًا لمن يستطيع الدفع أو الرحيل.
كانت لعكّار أوراق قوة لا تملكها محافظات أخرى.
مطار قادر على تحويلها إلى بوابة شمالية.
مرفأ قادر على تحريك اقتصاد كامل.
لكن هذه الأوراق بقيت في الأدراج.
لم تُستخدم للضغط، بل للاستعراض.
المطار بقي مقفلًا، المرفأ بقي مقفلًا، والسبعة اكتفوا بترداد كلمة “قريبًا”.
الأنهار تلوّثت.
ليس بفعل الطبيعة، بل بفعل الإهمال.
القمامة تراكمت، لا لأن الحلول مستحيلة، بل لأن القرار غائب.
المزارع تُرك وحيدًا في مواجهة الخسارة، فيما الدعم يُذكر في الخطب ولا يصل إلى الحقول.
السبعة لم يحوّلوا البيئة ولا الزراعة إلى أولوية، لأن الأولويات كانت في مكان آخر.
في الليل، تنطفئ عكّار قبل غيرها.
كهرباء أقل، عتمة أطول، وصمت أكبر.
غلاء معيشة ينهش الناس، فروقات أسعار بلا رقيب، واستغلال حاجة بلا محاسبة.
الأميرة تضع رأسها في الظلام، والمزهريات ما زالت ثابتة في مكانها.
الفوضى في الطرقات ليست تفصيلًا.
التوك توك والدراجات بلا تنظيم، التعدّي على الأملاك العامة، والخطر الطائفي الذي يُترك من دون معالجة، كلّها مؤشرات على دولة غائبة ونواب قرروا عدم التدخّل.
فالسكوت، أحيانًا، أسهل من المواجهة.
ورغم كل هذا، لم تُنتج عكّار وزيرًا، ولا رئيس حكومة، ولا حتى وزنًا سياسيًا يُحسب له حساب.
سبعة نوّاب، لكن بلا مخالب.
بلا كتلة، بلا اشتباك، بلا قدرة على فرض شروط.
تحوّل الدور النيابي إلى وظيفة اجتماعية: تعزية هنا، تهنئة هناك، وبيان في كل مناسبة.
في الحكاية الأصلية، كانت الأميرة محمية لأن الأقزام تعبوا.
في حكاية عكّار، الأميرة متروكة لأن من اختارتهم خافوا من التعب.
خافوا من المواجهة، من كلفة الموقف، ومن خسارة الرضا السياسي.
واليوم، مع اقتراب نهاية الحكاية، تقف عكّار أمام مرآتها.
لا تسأل عن الوجوه، بل عن الأفعال.
لا تريد مزهريات جديدة بألوان مختلفة.
تريد من يعمل، من يصطدم، من يدفع الثمن.
لأن الأميرة التي صبرت طويلًا…
لم تعد تحتمل حكاية بلا نهاية.






