تخطي إلى المحتوى الرئيسي

spotcastplatform

عامل سوري في طرابلس: 35 سنة بلا عقد، ومن يشكو يدفع

«لا توجد ساعات عمل محددة، فأنا أعمل 24 ساعة على 24».

بهذه العبارة يصف «أبو محمد» (اسم مستعار)، البالغ من العمر 50 عامًا، يومه كناطور في أحد الأبنية في منطقة المعرض في طرابلس. يعيش في مكان عمله، ولا يحصل، بحسب قوله، على يوم عطلة ثابت. فمسؤوليته لا تقتصر على الحراسة، بل تشمل متابعة الكهرباء والمياه وكل ما يتعلق بالمبنى.

يقول إن أقصى ما يستطيع الحصول عليه هو ساعة يخرج خلالها لتأمين بعض أغراضه، قبل أن يعود إلى عمله. «لا أملك يوم عطلة، لكن يمكنني أحيانًا أخذ ساعة واحدة أذهب خلالها لتأمين بعض أغراضي، لأن كل شيء هنا مسؤولية: الكهرباء والمياه والحراسة».

السكن الذي يحصل عليه مقابل عمله لا يراه أبو محمد ميزة. فهو، جزء من الراتب بطريقة غير مباشرة، ويقول إن أصحاب العمل يذكّرونه به عندما يطلب زيادة في أجره: «يقال لي إنني أحصل على غرفة للسكن، لكن في الحقيقة هذه ليست غرفة، بل أشبه بقنّ دجاج. أتمنى لو كانت غرفة فعلًا، أو على الأقل أن تكون جيدة التهوية وتدخلها أشعة الشمس».

يتقاضى أبو محمد نحو 300 دولار شهريًا. ويقول إن هذا المبلغ لا يكفي لتغطية احتياجات أسرته، خصوصًا مع ارتفاع تكاليف المعيشة. «الأسرة المؤلفة من خمسة أو سبعة أشخاص تحتاج إلى ما لا يقل عن 700 دولار شهريًا. أنا أتقاضى 300 دولار، وأقضي بقية الشهر بالديون، وهذا إذا لم يحدث مرض أو أي ظرف طارئ».

عندما يغيب العقد

لا يملك أبو محمد عقد عمل، بحسب قوله. «للأسف، لا يوجد عقد عمل».

بالنسبة إليه، لا يرتبط غياب العقد فقط بعلاقته بصاحب العمل، بل بشعوره بأنه يفتقد وسيلة واضحة للدفاع عن نفسه عند حدوث مشكلة. وعندما سُئل عمّن يلجأ إليه إذا وقع خلاف، أجاب: «إلى رب العالمين».

ويشرح: «إذا ذهبت لتقديم شكوى، فإن الأمر يكلفك مالًا، وإذا أردت توكيل محامٍ تصبح التكلفة أكبر، وفي النهاية قد تُحفظ القضية ضد مجهول، أو قد يكون الطرف الآخر مدعومًا بوساطة أو نفوذ».

ويقول أبو محمد إنه يعيش في لبنان منذ 35 عامًا ويقيم بصورة نظامية. لكنه يرى أن وضع العامل السوري لا يزال مليئًا بالقيود. ويعطي مثالًا على ذلك من تجربته الشخصية، موضحًا أنه يحمل إقامة فردية بصفته حارس مبنى، وأنه، لا يستطيع تسجيل دراجة نارية باسمه أو الحصول على رخصة لها.

كما تحدث عن صعوبة تأمين إقامات لأفراد عائلته، قائلًا إن كل فرد يحتاج إلى كفيل منفصل. «إذا كانت الأسرة مؤلفة من سبعة أشخاص، فكيف يمكن لرب الأسرة أن يتحمل تكلفة ذلك؟ أتمنى أن يتم تعديل هذا القانون، وأن يتمكن الكفيل من كفالة العائلة بأكملها».

بين العامل وصاحب العمل

رغم ظروف العمل التي يصفها بالصعبة، لا يضع أبو محمد جميع أصحاب العمل في خانة واحدة. فهو يقول إن علاقته بسكان المبنى جيدة عمومًا، وإن بعضهم يتعامل معه باحترام منذ سنوات طويلة.

لكن المشكلة، بحسب قوله، تظهر عند الحديث عن الراتب. «بصراحة، معاملتهم جيدة. هناك أشخاص أعرفهم منذ 27 عامًا، وهم مهذبون ومحترمون معي. لكن عندما نطلب زيادة في الراتب، يقال لنا إن وضع البلد ليس جيدًا».

ويرى أبو محمد أن النظرة إلى العامل السوري أصبحت في بعض الأحيان جزءًا من المشكلة، قائلًا: «السوري اليوم في لبنان عليه نقطة، وكأن السوري هو من أكل البلد». ثم يضيف: «لا فرق بين عربي وأعجمي إلا بالعمل الصالح».

ما تقوله القوانين وما يحدث في سوق العمل

تعمل الدولة اللبنانية على تنظيم أوضاع العمالة الأجنبية من خلال وزارة العمل والمديرية العامة للأمن العام، بما يشمل إجازات العمل والإقامة والإجراءات المرتبطة بتسوية أوضاع العمال المخالفين. وفي عام 2026، حددت السلطات مهلة لتسوية أوضاع العمال السوريين انتهت في 30 حزيران.

لكن وجود إجراءات قانونية لا يعني أن جميع العمال يصلون فعليًا إلى العمل الرسمي. وفي هذا السياق، أشارت منظمة العمل الدولية في ورقة نشرتها عام 2025 حول العمال السوريين في لبنان إلى وجود عوائق أمام انتقالهم إلى العمل الرسمي، معتبرة أن تسهيل الوصول إلى تصاريح العمل يمكن أن يساعد في تعزيز العمل اللائق وتنظيم سوق العمل. وتكشف حالة أبو محمد عن واحدة من المشكلات التي تجعل الانتقال إلى العمل الرسمي مسألة أساسية: فهو يعمل منذ سنوات، لكنه يقول إنه لا يملك عقد عمل واضحًا يحدد ساعات عمله وحقوقه والتزاماته.

من المسؤول عن الحماية؟

تنظيم العمل ليس مسؤولية العامل وحده. فوزارة العمل هي الجهة المعنية بتنظيم سوق العمل وشروط العمل، فيما تتولى المديرية العامة للأمن العام مسائل مرتبطة بالإقامة ووضع العمال الأجانب القانونين، وبين الجهتين، يبقى العامل بحاجة إلى معرفة واضحة بحقوقه وإلى آلية يستطيع من خلالها المطالبة بها عندما يعتقد أنها لم تُحترم.

في حالة أبو محمد، لا تبدو المشكلة في غياب العمل؛ فهو يعمل طوال اليوم تقريبًا. المشكلة في نوع العمل الذي يستطيع الحصول عليه، وفي مدى الحماية التي يشعر أنه يحصل عليها في المقابل. «إذا كنت جيدًا مع العامل، فهو سيعطيك من قلبه»

في نهاية حديثه، لا يوجه أبو محمد رسالته إلى أصحاب العمل “السوريين فقط”، بل إلى جميع أصحاب العمل، بغض النظر عن جنسية العامل. «كل الناس خير وبركة. إذا شغّلت عاملًا، سواء كان سوريًا أو لبنانيًا أو من أي جنسية أخرى، يجب أن تنصفه. وإذا كنت جيدًا مع العامل، فهو سيعطيك من قلبه».

يضيف: «أتمنى أن يحصل جميع العمال على هذا التعامل، وليس السوريين فقط. اليوم، الجميع يعاني، حتى اللبناني».

قصة أبو محمد لا تتعلق فقط بعامل سوري يتقاضى 300 دولار أو يعمل على مدار الساعة؛ إنها تكشف عن سوق عمل يستطيع فيه العامل أن يبقى سنوات في وظيفته من دون عقد واضح، بينما تبقى قدرته على المطالبة بحقوقه محدودة. وبين القوانين التي تنظّم العمل والواقع الذي يعيشه العامل، تبقى الحماية الفعلية للعامل السوري في الشمال هي الحلقة الأضعف.

المصادر:

  • المديرية العامة للأمن العام اللبناني: توضح الإجراءات القانونية المتعلقة بتنظيم أوضاع العمال السوريين، بما في ذلك إجازات العمل والإقامة ومهلة تسوية الأوضاع حتى 30 حزيران 2026.
  • منظمة العمل الدولية – نيسان 2025: تبحث في تصاريح العمل والعوائق القانونية والإدارية التي تواجه اللاجئين السوريين في الوصول إلى العمل الرسمي في لبنان.
  • منظمة العمل الدولية – أيار 2026 (1,069 لاجئًا سوريًا): تدرس مهارات وخبرات اللاجئين السوريين، وتساعد في فهم مدى توافق هذه المهارات مع فرص العمل المتاحة في لبنان.
  • منظمة العمل الدولية – أيار 2026 (2,485 عاملًا): تتناول واقع سوق العمل اللبناني في ظل الأزمة الاقتصادية، مع التركيز على ظروف العاملين في القطاع الخاص والتحديات التي يواجهونه.
Facebook
X
WhatsApp

النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية لدينا للحصول على معلومات التحديث والأخبار والرؤى المجانية.