تخطي إلى المحتوى الرئيسي

spotcastplatform

حق الوصول إلى المعلومة في لبنان: قانون بلا تطبيق؟

حق الوصول إلى المعلومة في لبنان: 10 من أصل 12 طلبًا في عكار بقيت بلا ردّ، و11 من 15 طلبًا في طرابلس تلقّت ردًّا

في عكّار، لم تتلقَّ 10 طلبات من أصل 12 للحصول على المعلومات أي ردّ، بينما بلغت نسبة الإجابة عن الطلبات في طرابلس نحو 73%. تكشف هذه الأرقام تفاوتًا واضحًا في الاستجابة لطلبات المعلومات بين المنطقتين، وتطرح تساؤلات حول مدى تطبيق حق الوصول إلى المعلومات في الإدارات المحلية، وقدرة المواطنين على الحصول على بيانات ووثائق تتعلّق بعمل المؤسسات العامة وقراراتها.

تعود هذه البيانات إلى طلبات رصدتها مبادرة «غربال» خلال الفترة الممتدة من عام 2018 إلى عام 2026. ففي عكّار، تلقّى طلبان فقط إجابة من أصل 12 طلبًا، فيما بقيت 10 طلبات بلا ردّ، أي ما يقارب 83% من مجموع الطلبات. أما في طرابلس، فتلقّى 11 طلبًا إجابة من أصل 15، مقابل أربعة طلبات لم تتلقَّ ردًّا. وبلغت نسبة الاستجابة في طرابلس نحو 73%، مقابل 17% في عكّار.

ولا تعني هذه الأرقام بالضرورة أن الطلبات التي لم تتلقَّ ردًّا رُفضت رسميًا، لكنها تُظهر أن الوصول إلى المعلومات لم يتحقق في معظم الحالات المسجّلة في عكّار. كما أن هذه النتائج تعكس الطلبات التي تابعتها «غربال»، ولا تمثّل بالضرورة جميع طلبات المعلومات المقدّمة إلى البلديات في المنطقتين.

حقّ قانوني لا يحتاج إلى تبرير

أقرّ لبنان قانون حق الوصول إلى المعلومات رقم 28 عام 2017، ثم عُدّل عام 2021 بموجب القانون رقم 233، بهدف تمكين المواطنين من الاطلاع على المعلومات والوثائق الموجودة لدى الإدارات العامة، وفقًا للشروط والاستثناءات التي يحدّدها القانون.

ويشمل هذا الحق، ضمن الإطار القانوني، الاطلاع على القرارات والعقود والتقارير والموازنات والإحصاءات وغيرها من الوثائق التي تحتفظ بها الإدارات العامة. كما يفرض القانون نشر أنواع محدّدة من المعلومات بصورة استباقية، من دون انتظار تقديم طلب للحصول عليها.

وبحسب كلارا بو غاريوس، مديرة البرامج في مبادرة «غربال»، يحقّ لأي شخص طبيعي أو معنوي طلب المعلومات من الإدارات العامة، من دون أن يكون مضطرًا إلى إثبات مصلحة خاصة أو شرح أسباب طلبه أو كيفية استخدام المعلومات. ويُفترض أن يُقدَّم الطلب خطيًا، مع تحديد المعلومات المطلوبة بوضوح وذكر بيانات التواصل اللازمة.

وتشير بو غاريوس إلى أن القانون يحدّد مهلة للردّ تبلغ 15 يومًا، مع إمكان تمديدها في حالات ينصّ عليها القانون. كما أن الإدارة المعنية مسؤولة عن التعامل مع الطلب، ولا يُفترض أن تجعل انتظار موافقة الوزير شرطًا للردّ عليه.

لكن وجود هذا الحق في القانون لا يضمن وحده تطبيقه. فبين تقديم الطلب والحصول على الوثيقة، قد يواجه المواطن تأخرًا في الإجابة أو غيابًا للردّ، ما يحدّ من قدرته على متابعة عمل المؤسسات العامة ومساءلتها.

تجربة «غربال»: طلبات كثيرة وردود غير مكتملة

تعكس البيانات المحلية جانبًا من التحديات التي تواجه تطبيق القانون. فعلى المستوى الوطني، قالت بو غاريوس إن مبادرة «غربال» قدّمت خلال ثماني سنوات 2,881 طلب معلومات إلى 387 جهة عامة، وحصلت على 1,528 ردًا، أي بنسبة استجابة بلغت نحو 53%.

وبذلك، لم تتلقَّ المبادرة ردًا على نحو 47% من الطلبات التي قدّمتها خلال الفترة المذكورة. ولا يعني غياب الردّ بالضرورة وجود رفض رسمي، لكنه يشير إلى أن جزءًا كبيرًا من الطلبات لم يحصل على إجابة ضمن تجربة المبادرة.

وتوضح بو غاريوس أن التحديات لا تقتصر على عدم الردّ، بل تشمل أيضًا التأخر في الإجابة، وعدم تعيين موظفين مسؤولين عن متابعة طلبات المعلومات في بعض الإدارات، وضعف نشر البيانات والوثائق على المواقع الرسمية. كما قد تطلب بعض الإدارات من مقدّمي الطلبات توضيح أسباب طلبهم، أو تشترط موافقة الوزير، أو ترفض إتاحة معلومات بحجة السرية من دون مبررات كافية.

وترى بو غاريوس أن هذه الممارسات تعكس تحديات في ثقافة الشفافية والوعي بالقانون، سواء داخل بعض الإدارات أو لدى المواطنين الذين قد لا يعرفون آليات طلب المعلومات وسبل الاعتراض عند عدم الحصول عليها.

ومع ذلك، لا يمكن اعتبار النسبة الوطنية التي سجّلتها «غربال» ممثّلة بالضرورة لأداء جميع الإدارات العامة في لبنان، تمامًا كما لا يمكن تعميم نتائج عكّار وطرابلس على كل البلديات في المنطقتين. لكنها توفّر مؤشرات تساعد على فهم الصعوبات التي تواجهها المبادرة في متابعة تطبيق القانون.

عكّار وطرابلس: تفاوت في الاستجابة

عكار وطرابلس: 2 من 12 طلبًا أُجيب عنها في عكار مقابل 11 من 15 في طرابلس، بحسب مبادرة غربال
المصدر: مبادرة «غربال». تصميم: سبوت كاست

تُظهر المقارنة بين المنطقتين فرقًا واضحًا في نتائج الطلبات التي تابعتها «غربال». ففي عكّار، لم تتلقَّ إجابة سوى طلبين من أصل 12، بينما تلقّى 11 طلبًا من أصل 15 إجابة في طرابلس.

ويبلغ الفرق بين نسبتي الاستجابة نحو 56 نقطة مئوية. لكن هذه النتيجة لا تفسّر وحدها أسباب التفاوت بين المنطقتين، ولا تثبت أن جميع بلديات عكّار أقل استجابة من بلديات طرابلس. فذلك يتطلّب الاطلاع على تفاصيل الطلبات، والجهات التي وُجّهت إليها، وطبيعة المعلومات المطلوبة، وتوقيت تقديم الطلبات والردود عليها.

وتكتسب هذه المقارنة أهمية خاصة لأن المعلومات التي تحتفظ بها البلديات والإدارات المحلية قد تتصل بقرارات ومشاريع وخدمات تمسّ الحياة اليومية للسكان. فالحصول على نسخة من قرار أو الاطلاع على عقد أو معرفة تفاصيل مشروع عام يمكن أن يساعد المواطنين والصحافيين على فهم كيفية اتخاذ القرارات ومتابعة تنفيذها.

وفي عكّار، حيث بقيت غالبية الطلبات المسجّلة بلا ردّ، تبرز الحاجة إلى معرفة ما إذا كانت المشكلة مرتبطة بتأخر الإدارات في الاستجابة، أو بغياب آليات واضحة لمتابعة الطلبات، أو بعوامل أخرى ينبغي التحقق منها ميدانيًا.

الشراء العام: أين يمكن العثور على المعلومات؟

الشراء العام: 174 صفقة معلنة في محافظة عكار مقابل 312 في طرابلس وحدها
المصدر: منصة الشراء العام، مبادرة «غربال»، تشرين الأول 2026. تصميم: سبوت كاست

لا يقتصر موضوع الشفافية على الردّ على طلبات المعلومات، بل يشمل أيضًا نشر المعلومات المتعلقة بالشراء العام، مثل الإعلانات عن عمليات الشراء، ونتائج التلزيم، والعقود، وغيرها من البيانات التي تتيح متابعة كيفية إنفاق المال العام.

وفي هذا السياق، أشارت بو غاريوس خلال المقابلة إلى عدم وجود إعلانات عن عمليات الشراء العام على منصة هيئة الشراء العام في الحالات التي كانت تتحدث عنها. وتفتح هذه الملاحظة بابًا إضافيًا للبحث حول مدى نشر المعلومات المتعلقة بالصفقات العامة، ومدى سهولة وصول المواطنين والصحافيين إليها.

وبحسب أحدث بيانات منصة الشراء العام التابعة لمبادرة «غربال»، حتى تشرين الأول 2026، أُعلن في محافظة عكّار عن 174 صفقة عمومية، لُزّم منها 150، من أصل 8,229 صفقة معلنة على مستوى لبنان. وبلغت قيمة الصفقات الملزّمة في المحافظة نحو 312 مليار ليرة و54 مليون دولار و75 ألف يورو. في المقابل، أُعلن في طرابلس وحدها عن 312 صفقة، لُزّم منها 182. أي إن مدينة واحدة أعلنت عن صفقات أكثر مما أعلنته جميع الجهات العامة في محافظة عكّار مجتمعة.

وتثير هذه المعطيات أسئلة حول توزيع الصفقات بين المناطق، ومدى إتاحة المعلومات المتعلقة بها. لكن قلة عدد الصفقات المعلنة في منطقة ما لا تثبت وحدها وجود مخالفة أو غياب للشفافية؛ إذ ينبغي التحقق من الفترة الزمنية التي تغطيها البيانات، وطبيعة الصفقات المشمولة، والجهات التي نفّذتها، وما إذا كانت الأرقام تعبّر عن عدد الصفقات أو قيمتها المالية.

كذلك، يجب التمييز بين عدم نشر إعلان عن عملية شراء على المنصة، وعدم وجود عملية شراء أصلًا. فهما حالتان مختلفتان، ولا يمكن الجزم بوجود إحداهما من دون التحقق من سجلات الجهات المعنية والبيانات المتاحة.

ومع ذلك، فإن نشر المعلومات المتعلقة بالشراء العام يتيح للصحافيين والمواطنين متابعة المشاريع والعقود، ومعرفة الجهات المستفيدة منها، ومراقبة كيفية استخدام الأموال العامة. أما غياب المعلومات أو صعوبة الوصول إليها، فيجعلان عملية المتابعة والمساءلة أكثر تعقيدًا.

ماذا يحدث عندما لا تجيب الإدارة؟

لا يعني عدم الردّ على طلب المعلومات أن المواطن فقد حقه في الحصول عليها. فبحسب بو غاريوس، يمكن الاعتراض على رفض الطلب أو عدم الردّ ضمن المهل القانونية، عبر الجهات القضائية والإدارية المختصة، ووفقًا للإجراءات التي يحدّدها القانون.

لكن ممارسة هذا الحق تتطلب معرفة المواطنين بالآليات المتاحة لهم، كما تتطلب وجود إجراءات واضحة داخل الإدارات لتلقّي الطلبات ومتابعتها والردّ عليها ضمن المهل المحدّدة.

ومن هنا، لا تتوقف فعالية القانون عند النصوص التي يقرّها، بل ترتبط أيضًا بمدى التزام الإدارات بتطبيقه، وبقدرة المواطنين على استخدامه. فالقانون الذي يمنح المواطن حق الوصول إلى المعلومات يفقد جزءًا من فعاليته عندما لا يحصل على ردّ، أو عندما يضطر إلى بذل جهود إضافية للحصول على وثيقة يفترض أن تكون متاحة له وفقًا للقانون.

بين القانون والتطبيق

تكشف البيانات التي جمعتها مبادرة «غربال» عن تفاوت في الاستجابة لطلبات المعلومات بين عكّار وطرابلس، فيما تُظهر الأرقام الوطنية للمبادرة أن نسبة الردود على طلباتها خلال ثماني سنوات بلغت نحو 53%. وتسلّط هذه النتائج الضوء على التحديات التي قد تواجه المواطنين والصحافيين عند محاولة الحصول على معلومات من الإدارات العامة.

كما تطرح البيانات المتعلقة بالشراء العام أسئلة إضافية حول نشر المعلومات المتعلقة بالصفقات، وإمكانية تتبّعها ومراقبة تنفيذها، ولا سيما في محافظة مثل عكّار، أعلنت فيها جميع الجهات العامة عن صفقات أقل مما أعلنته مدينة طرابلس وحدها.

في عكّار، حيث لم تتلقَّ 83% من طلبات المعلومات التي تابعتها «غربال» ردًّا، لا يقتصر السؤال على وجود قانون يضمن هذا الحق، بل يمتدّ إلى كيفية تطبيقه عمليًا، ومدى التزام الإدارات المحلية بالردّ على الطلبات ونشر المعلومات التي يحقّ للمواطنين الاطلاع عليها.

فبين النصّ القانوني والممارسة اليومية، تبقى الشفافية مرتبطة بقدرة المواطنين على الوصول إلى المعلومات، وبمدى استعداد المؤسسات العامة لإتاحتها. ويبقى السؤال الأساسي: كيف يمكن ضمان أن يتحوّل حق الوصول إلى المعلومات من نصّ قانوني إلى ممارسة فعلية تمكّن المواطنين من متابعة عمل مؤسساتهم العامة ومساءلتها؟

Facebook
X
WhatsApp

النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية لدينا للحصول على معلومات التحديث والأخبار والرؤى المجانية.