بين الجومة والقيطع… المشكلة ليست في المال بل في الإرادة
بينما كانت الأنظار تتجه في الأسابيع الأخيرة إلى مشاهد مختلفة من عكار، من فعاليات افتتاح مطار القليعات إلى مهرجانات رياضية وجماهيرية ناجحة في الجومة وغيرها، كان مشهد آخر يتكرّر بصمت في مكان آخر من المحافظة: اتحاد بلديات وسط وساحل القيطع ما زال عاجزاً عن انتخاب رئيس ومجلس يقودان واحدة من أهم المناطق وأكثرها كثافة سكانية في عكار.
المفارقة أن المشهدين يختصران قصة عكار كلها. في مكانٍ ما، توجد إرادة، فتُقام الفعاليات وتُحشد الطاقات ويُصنع حدث يلفت الأنظار. وفي مكان آخر، توجد الإمكانات نفسها وربما أكثر، لكن يغيب القرار، فتتعطل المؤسسات وتُهدر الفرص.
اتحاد بلديات وسط وساحل القيطع ليس اتحاداً هامشياً. هو من أكبر اتحادات عكار وأكثرها أهمية، ويضم 14 بلدية تشكل البوابة السكانية والاقتصادية للمحافظة. ومع ذلك، تحوّل منذ أشهر إلى عنوان لأزمة مفتوحة عنوانها الحقيقي ليس القانون ولا النصاب ولا الإجراءات، بل الصراع على الرئاسة.
الجميع يعرف الحقيقة التي يحاول البعض تجميلها. الانتخابات لم تتعطل لأن البلديات غير قادرة على الاجتماع. ولم تتعطل لأن المنطقة تفتقد الكفاءات. ولم تتعطل بسبب خلاف على برنامج إنمائي أو رؤية اقتصادية أو خطة للنفايات أو البنى التحتية. الانتخابات تعطلت لأن الأطراف المختلفة لم تتفق على اسم الرئيس.
لهذا غاب النصاب أكثر من مرة، وتأجلت الجلسات الواحدة تلو الأخرى، وانقسم أعضاء الاتحاد إلى معسكرين متقاربين في العدد، فيما بقي الاتحاد نفسه رهينة التجاذبات والحسابات السياسية والشخصية.
السؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم ليس: من يربح الرئاسة؟
السؤال هو: ماذا ربحت المنطقة من كل هذا التعطيل؟
الجواب يعرفه الجميع. وفي الوقت الذي تتحرك فيه مناطق أخرى للاستفادة من أي فرصة متاحة، ما زال جزء أساسي من عكار غارقاً في معركة على الكرسي قبل أن يوجد المشروع.
المشكلة هنا ليست مشكلة أشخاص، بل مشكلة ذهنية سياسية وإدارية. ذهنية تعتبر أن الموقع أهم من المؤسسة، وأن الرئاسة أهم من الدور، وأن الانتصار في المعركة أهم من مصلحة المنطقة.
التجارب حولنا تثبت العكس تماماً. عندما تتوفر الإرادة، تستطيع البلديات والمؤسسات أن تنجز حتى في أصعب الظروف. وعندما تغيب الإرادة، لا تكفي الأموال ولا المشاريع ولا الدعم السياسي لصناعة أي فارق.
لهذا فإن أخطر ما يحدث اليوم ليس تأخير انتخاب رئيس لاتحاد بلديات وسط وساحل القيطع، بل ترسيخ فكرة أن تعطيل مؤسسة تخدم عشرات آلاف المواطنين أمر يمكن التعايش معه بانتظار نضوج التسويات.
عكار تقف اليوم أمام فرصة حقيقية. هناك اهتمام متزايد بالمحافظة، وهناك ملفات استراتيجية تُفتح للمرة الأولى منذ سنوات، وهناك نقاش جدي حول دور المنطقة الاقتصادي والإنمائي في المرحلة المقبلة.
لكن الفرص لا تنتظر المتخاصمين. وإذا استمر منطق التعطيل نفسه، فإن المشكلة لن تكون في غياب المشاريع، بل في غياب الجهة القادرة على التقاطها واستثمارها. لهذا، فإن المطلوب اليوم ليس فقط انتخاب رئيس ونائب رئيس للاتحاد، بل استعادة فكرة الاتحاد نفسها: “مؤسسة تنموية تُدار لخدمة الناس لا ساحة لتصفية الحسابات أو قياس الأحجام”.
لقد أثبتت الوقائع أن الإمكانات موجودة. وأثبتت التجارب أن النجاح ممكن. وأثبتت عكار نفسها أنها قادرة على صناعة الأحداث عندما تتوفر الإرادة. وإذا كان من درس يجب استخلاصه من كل ما يجري اليوم، فهو أن أزمة عكار لم تكن يوماً أزمة موارد، بل أزمة قرار.
والقرار، حتى هذه اللحظة، ما زال غائباً.






