كتابة: عمر خالد
سلسلة: الهامش بيسأل
في الأسابيع التي سبقت انتخابات 2022، كانت خمس من كل ثماني لوائح تنافست في عكار تفعل الشيء نفسه: توزّع قسائم غذائية، تردم حفراً، تزفّت طرقاً، وبحسب شهادات موثّقة، حتى صالونات حلاقة مجانية. لم يكن هذا هامش الحملة الانتخابية. كان هو الحملة.
لم يخفِ أحد الأمر. صوّت العكاريون، فاز من فاز، وعاد كل شيء إلى ما كان عليه.
السؤال هنا ليس من أين تأتي هذه “الخدمات” ولا من يدفع ثمنها. السؤال هو: لماذا قبلنا، منذ زمن طويل، أن نستبدل فكرة النائب الذي يمثّلنا بفكرة “الزلمة” الذي يخدمنا؟ وما الذي خسرناه في هذه الصفقة؟ الجواب لا يبدأ من 2022. يبدأ قبل أكثر من مئتي عام، حين تحوّلت أرض عكار من ضريبة تُجبى إلى إرث يُورَّث.
حين كانت الأرض ضريبة، لا حقاً
منذ القرن السادس عشر، كانت أراضي عكار تحت نظام “الالتزام” العثماني: حق جباية الضرائب يُباع لأعلى مزايد، عادة أحد الأعيان المحليين. هذا “الملتزم” يأخذ من الفلاح ضرائبه وسخرته، ويحتفظ لنفسه بحصة. ومع ضعف الدولة العثمانية المركزية، تحوّل كثير من هؤلاء الملتزمين إلى ما يشبه الإقطاعيين الدائمين.
الفارق بين عكار وجبل لبنان المجاور لم يكن في طبيعة الناس، بل في قانون الأرض. في الجبل تحوّلت الأراضي إلى ملكية خاصة كاملة. في عكار بقيت الأرض ملكاً نظرياً للدولة، توزَّع بالقرعة بين المنتفعين بشكل متجدد. ومعنى هذا أن الفلاح لم يملك يوماً سنداً فردياً يحتج به. من كان يتحكم بإعادة التوزيع إذاً؟ الملتزم. بمعنى آخر: البنية القانونية نفسها صُمِّمت لتجعل الفلاح محتاجاً إلى وسيط دائم، لا صاحب حق مكفول.
عائلة واحدة، 88 عاماً
في هذه البنية نشأت أشهر سلالة زعامة في عكار الحديثة: آل مرعب. أول ظهور منظَّم لها كقوة سياسية كان سنة 1918. عبّود بك عبد الرزاق المرعبي مَوّل شخصياً عرائض ضمّ عكار إلى لبنان الكبير، واصطفّ إلى جانب فرنسا حين اندلعت ثورة الدنادشة المسلحة (1919-1920). ثم فاز نائباً ثلاث دورات متتالية (1922، 1925، 1929).
لكن القصة الحقيقية أعقد من “عائلة واحدة تحتكر مقعداً”. المقعد السنّي لعكار، بين 1934 و1972، تداولته في الواقع شبكة أوسع من العائلات المتحالفة والمتنافسة معاً: آل مرعب، آل العلي، آل العثمان، آل المصطفى. قواعد غير مكتوبة سمحت بالتناوب بينها، وأحياناً بالتصفية الجسدية داخلها، من دون أن يخرج أي طرف من الشبكة نهائياً.
المثال الأوضح: سنة 1953، بعد خلاف انتخابي بين سليمان بك العلي ومحمد بك العبود (من آل مرعب)، رعى رئيس الجمهورية كميل شمعون مصالحة بينهما في القصر الجمهوري. لحظات بعد خروجهما، أُطلقت النار على محمد بك العبود على درج القصر، فقُتل خلال يومين. أُعدم منفّذ الاغتيال، لكن الحكم على المتهمين المرتبطين بالجريمة خُفِّف إلى السجن، ثم شملهما عفو عام سنة 1958. سنة 1972، جلس سليمان بك العلي على اللائحة نفسها مع طلال المرعبي قريب الرجل الذي اتُّهم فريقه باغتياله قبل 19 عاماً فقط.
هذه ليست قصة عائلة احتكرت السلطة بمفردها. إنها قصة شبكة نخبوية تتّسع لتستوعب خصومها حتى بعد أن يُصفّي أحدهم الآخر، بشرط وحيد: البقاء داخل الشبكة، لا خارجها. في انتخابات 2022، خرج آل مرعب من البرلمان للمرة الأولى منذ 1934. دخل سبعة نواب جدد بأسماء مختلفة تماماً. لكن النظام نفسه بقي.
حين اعتبرت فرنسا الإقطاع “نعمة”
هذا لم يكن مصادفة، بل سياسة دولة معلَنة. الباحث مايكل غيلسنان يصف في دراسته المرجعية عن عكار كيف شكّلت العائلات الإقطاعية الكبرى ما سمّاه صراحة “نعمة” (godsend) لسلطات الانتداب الفرنسي، رغم أن خبراء الزراعة في الانتداب نفسه كانوا يفضّلون إصلاحاً ريفياً وطبقة فلاحين مستقلّة. يؤرّخ غيلسنان لبداية هذا “الإقطاع الحديث” بسنة 1858 أي أن عمر هذا النمط يتجاوز 165 عاماً كأقل تقدير.
الباحث أسامة مقدسي يربط هذا بفشل أوسع: عجز الدولة اللبنانية الناشئة عن مدّ إدارتها الفعلية إلى أطرافها الجنوب وعكار على حد سواء أبقى المشروع الوطني مرتبطاً بنخب محلية موالية توزّع الوظائف وتُعبِّد الطرق بدل أن تفعل الدولة ذلك مباشرة.
الدليل على ذلك موجود حرفياً في أرشيف الجريدة الرسمية: حتى منتصف القرن العشرين، كانت مياه عكار تُدار نبعاً نبعاً، بمرسوم منفصل لكل عين ماء في كل قرية، دون أي مؤسسة مركزية قبل 1994. في هذا الفراغ بالذات، قاد عبّود بك سنة 1923 حملة شقّ أول طريق معبّد بين قريتين، بالسخرة الطوعية من الأهالي. حين لا تبني الدولة طريقاً، يبنيه الزعيم. وهذا بالضبط ما يشتريه صوت الناخب لاحقاً.
التمرد الوحيد، وكيف انتهى
م يكن هذا النظام بلا تحدٍّ. بدأ فلاحو سهل عكار المستأجرون بلا أرض بالتمرد على الملّاك الغائبين منذ 1968، بقيادة خالد صاغية، محامٍ من بلدة بينو، استند إلى إحصاء صادم: 3% من الملّاك كانوا يملكون 73% من مساحة السهل.
سنة 1972 قاد صاغية أول لائحة “شعبية” في تاريخ عكار. لكن التحدي لم يُسقط آل مرعب فعلياً — فطلال المرعبي فاز في الدورة نفسها وبقي نائباً حتى 1992. بعد أشهر قليلة من الانتخابات، اغتيل خالد صاغية. نُسبت الجريمة شعبياً إلى شخص مقرّب من أحد وجهاء آل مرعب، دون أن يُحسم اسم الفاعل رسمياً حتى اليوم.
المفارقة أن العشيرة التي حالفت صاغية (آل البعريني) سنة 1972 لم تُقصَ من اللعبة كما أُقصي هو بل دخلتها لاحقاً من بابها الواسع، ضمن التحالفات نفسها التي ضمّت لسنوات نواباً من آل مرعب. العائلة التي واجهت اغتيال زعيمها صمدت سياسياً أطول من العائلة التي اتُّهمت بالوقوف وراء الاغتيال. لكن هذا لا يعني انتصار “ثورة الفلاحين”: النظام الذي حكم به آل مرعب لم يُستبدَل بحكم مباشر من الناس، بل بلوائح ونواب جدد يعملون وفق المنطق الزبائني نفسه، لا خارجه.
الفنيدق: 75 عاماً من السؤال نفسه
لا مكان يختصر استمرارية هذا النمط أكثر من قرية واحدة: الفنيدق. الأرشيف الرسمي يوثّق نزاعاً مسلحاً فيها صيف 1951. هي القرية نفسها التي تحالفت عشيرتها مع خالد صاغية سنة 1972. هي القرية نفسها التي أعدم فيها داعش الرقيب علي السيد سنة 2014. وهي القرية نفسها التي يصنّفها أحدث تقرير لمعهد ستوكهولم لأبحاث السلام (SIPRI)، سنة 2026، بين الأعلى توتراً في عكار اليوم، حيث “نزاعات على كل شيء” تغذّيها البطالة وغياب القضاء الفعّال.
يشدّد التقرير على نقطة محورية: نزاعات عكار اليومية “مرتبطة بالموارد والحوكمة، لا مدفوعة أيديولوجياً في الأغلب”. بعد 75 عاماً موثَّقة، السبب لا يزال واحداً: غياب دولة تحكم بالقانون، يملؤه من يحكم بالوساطة.
ما الذي يُفترض أن يفعله النائب أصلاً؟
في أي نظام ديمقراطي، للنائب وظيفتان: التشريع، ومساءلة الحكومة عن أدائها وإنفاقها.
في عكار، القضايا التي تحتاج تشريعاً واضحة: غياب البنية التحتية الزراعية، ضعف المستشفيات الحكومية، البطالة بين الشباب، العلاقة مع النزوح السوري. هذه مشكلات لا يحلّها بون بنزين أو توظيف فردي تحتاج سياسات على مستوى الدولة.
لكن الأدبيات الأكاديمية عن الزبائنية اللبنانية تصف نمطاً متكرراً: النواب ينظرون إلى دورهم كخدمة زبائنهم المحليين، لا معالجة القضايا الوطنية. والنتيجة معروفة: الزبائنية تُلغي المساءلة، وتُفضي إلى تنمية وخدمات أضعف.
عكار نفسها، التي يتحدّر منها أكثر من 40% من عناصر الجيش اللبناني، تقدّم أوضح مثال على ذلك: الخدمة العسكرية هي مصدر الدخل الأكثر استقراراً في منطقة يعمل فيها نحو 15% من القوى العاملة بالجيش، والتوظيف فيها غالباً عبر واسطة الزعيم لا كحق مكفول.
الأزمة غيّرت الشكل، لا الجوهر
بعد انهيار 2019، جفّت كثير من الموارد التي كانت تُضخّ عبر الدولة. كان يمكن أن يُفضي هذا إلى إعادة تعريف العلاقة بين الناخب والنائب. لم يحدث ذلك. الزبائنية القائمة على وظائف الدولة تراجعت، لكن حلّ محلّها اعتماد أكبر على قنوات خاصة: تحويلات نقدية مباشرة، سلال غذاء.
الشكل تغيّر، الجوهر بقي: المواطن يأخذ خدمة فردية آنية، ويدفع ثمنها صوتاً وولاءً لأربع سنوات. في عكار، خمس من ثماني لوائح تنافست سنة 2022 كانت تُوزّع مكرمات أو تشتري أصواتاً بشكل مباشر، بحسب مراقبي الانتخابات. لم يكن الأمر خافياً على أحد كان جزءاً طبيعياً من المشهد. وهو، كما يظهر كل ما سبق، ليس اختراعاً جديداً، بل آخر حلقة موثَّقة في سلسلة عمرها 250 عاماً.
سؤال واحد يستحق أن يُسأل
حين يقف ناخب عكاري أمام صندوق الاقتراع، هو لا يواجه فقط مرشحاً يوزّع سلة غذاء أو صالون حلاقة مجاني. هو يواجه بنية بدأت بضريبة تُجبى في القرن السادس عشر، وتحوّلت إلى أرض تُورَّث، ثم إلى مقعد نيابي تتقاسمه شبكة من العائلات أكثر مما تحتكره سلالة واحدة.
والأهم: هذه البنية نجت حتى من سقوط السلالة التي جسّدتها لقرن كامل. حين خرج آل مرعب من البرلمان سنة 2022 بعد 88 عاماً في المقعد نفسه، لم يحلّ محلّهم نظام مختلف. حلّت محلّهم لوائح جديدة، بأسماء جديدة، تعمل بالمنطق الزبائني نفسه. الزعيم يتغيّر. الشبكة تبقى.
فما الذي يغيّر المعادلة فعلاً؟ لا يوجد جواب سهل، لكن البداية قد تكون بسؤال مختلف عن النائب: ليس “ماذا قدّم لنا؟”، بل “ماذا فعل في البرلمان؟”. على أي لجنة يجلس؟ كيف صوّت على موازنة الصحة؟ هل طرح سؤالاً واحداً عن بنية عكار التحتية؟ هل تقدّم باقتراح قانون واحد خلال أربع سنوات؟
هذه ليست أسئلة فلسفية. هي المعيار الوحيد الذي يُفرّق بين نائب يُمثّل منطقته، وزلمة خدوم يُدير محسوبيته.
المصادر الرئيسية:
- Michael Gilsenan, Lebanon’s Gateway to Syria: Akkar Before the Civil War, Middle East Report 162 (1990) وكتابه Lords of the Lebanese Marches (University of California Press, 1996).
- خالد عمر محمد حمود، “تاريخ عكار السياسي (1918-1943) في عهد الانتداب الفرنسي”، مجلة محكّمة، العدد 25 (2024).
- مذكرات الكابتن ميغ (نائب حاكم قضاء عكار 1919-1921)، ترجمة وتعليق د. ماهر مرعبي، دار البلاد، 2014.
- Ussama Makdisi, “Reconstructing the Nation-State: The Modernity of Sectarianism in Lebanon”, Middle East Report (1996).
- Alaa Tartir & Bilal Salaymeh, “Case Studies: Homs in Syria and Akkar in Lebanon”، تقرير SIPRI، 2026.
- Arab Reform Initiative, “Land Tenure in Lebanon: The Elephant in the Room of Agricultural Policy Debates”، 2026.
- L’Orient Today وAl-Modon (30 كانون الثاني 2022)، عن اندماج آل المرعبي والبعريني في كتلة نيابية واحدة.
- أرشيف الجريدة الرسمية اللبنانية، 139 وثيقة عن عكار (1922-1996)، عبر مركز المعلوماتية القانونية، الجامعة اللبنانية.
- International Crisis Group تقرير 2012 (نسبة تجنيد الجيش من عكار).
- سجلّ نتائج انتخابات عكار 1922-2022، مصدر عائلي (آل مرعبي سعدالله) معتمِد على أرشيف جريدة النهار




