«كان في طرقات نمرق عليها بالـHiking، بس هلأ تسكّرت كرمال الكسارات».

بهذه العبارة يصف خطّاب، وهو من هواة المشي الجبلي في عكار، التغيّر الذي لاحظه خلال تنقله بين عدد من المسارات الطبيعية في المنطقة. بالنسبة إليه، لم تعد الكسارات مجرد مواقع لاستخراج الرمل والصخور، بل أصبحت جزءًا من مشهد يغيّر شكل الجبال ويؤثر في البيئة المحيطة والحياة البرية.
يقول خطّاب إن بعض الجبال أصبحت تُستغل لاستخراج الرمل والصخور، واصفًا ما يراه بأنه «تشويه للجبل»، ومشيرًا إلى أن عمليات التكسير تؤثر في المناطق المحيطة. كما يرى أن عكار تخسر جزءًا من جمالها وثروتها الشجرية، إضافة إلى السياح الذين يقصدونها للاستمتاع بطبيعتها.
ولا تتوقف ملاحظاته عند المشهد الطبيعي. يقول إن بعض الطرق التي كان يستخدمها هواة المشي الجبلي أُغلقت بسبب أعمال الكسارات، فيما أصبح صوت التكسير، بحسب قوله، مسموعًا في القرى المحيطة «طول الليل».
وتنسجم بعض هذه الملاحظات مع ما توصلت إليه دراسة علمية عن أثر الكسارات على الموارد الطبيعية في لبنان. فقد أظهرت دراسة Darwish وزملائه، المنشورة عام 2011 في مجلة Land Degradation & Development، أن عدد الكسارات في لبنان ارتفع من 784 كسارة تغطي 2,897 هكتارًا عام 1989 إلى 1,278 كسارة تغطي 5,267 هكتارًا عام 2005. كما وجدت أن توسع الكسارات حصل على حساب أراضٍ زراعية وغابات ومراعٍ، وأن 87% من الكسارات التي شملتها الدراسة شكّلت مخاطر جدية على نوعية المياه الجوفية.
الدراسة لا تقيس وضع عكار تحديدًا، لكن نتائجها تبيّن أن أثر الكسارات في لبنان لا يقتصر على تغيير شكل الجبال، بل يمكن أن يطال التربة والغطاء النباتي والمياه والأنظمة البيئية.
أصوات من المنطقة
شهادة خطّاب ليست الوحيدة التي تصف أثر الكسارات على الحياة اليومية في مناطق عكار الجبلية. ففي تقرير نشره موقع «السفير العربي» عام 2024 حول منطقة بيت جعفر وكرم شباط، تحدث أحد أبناء المنطقة، ويدعى علاء، عن انتشار الكسارات وتأثيرها على السكان والأراضي الزراعية. وبحسب التقرير، قال علاء إن عدد الكسارات في المنطقة تراجع من نحو 20 إلى حوالي 10 بسبب الأزمة الاقتصادية، لكنه أشار إلى رفض الأهالي استمرار استباحة الجبال. كما تحدث التقرير عن الغبار والضجيج وتأثيرهما على السكان والطرقات والزراعة.
وفي عكار تحديدًا، تظهر مناطق مثل كرم شباط وبيت جعفر ووادي جهنم في تقارير سابقة تناولت توسع المقالع والكسارات وتأثيرها على الغابات والموارد الطبيعية. وقد أشار مجلس البيئة في القبيات، في بيان سابق، إلى أن بعض الكسارات في المنطقة كانت تشكل تهديدًا للثروة الحرجية والمائية ولمحمية كرم شباط.
أما خطّاب، فيربط بين هذه التغيرات وبين الحياة البرية. ويقول إن الضجيج وتغير طبيعة الموائل يمكن أن يدفعا الحيوانات إلى مغادرة المنطقة. ويذكر الخنازير البرية مثالًا، قائلًا إن وادي جهنم كان يشهد وجودًا كبيرًا لها، بينما يلاحظ، بحسب تجربته، انتقالها باتجاه جرود الهرمل.
هذا الربط تحديدًا يبقى ملاحظة من خطّاب ولا يثبت أن الكسارات هي سبب انتقال الخنازير البرية. إلا أن تغيير الموائل الطبيعية والضجيج الناتج عن النشاط البشري يمثلان عاملين يمكن أن يؤثرا في الحياة البرية، وهو ما يجعل حماية الموائل جزءًا من النقاش حول إدارة المقالع والكسارات.
من يملك قرار الترخيص؟
المسؤولية هنا لا تقع على جهة واحدة. فالإطار القانوني اللبناني ينظم القطاع عبر المرسوم رقم 8803 الصادر عام 2002 بشأن تنظيم المقالع والكسارات.
وبحسب المرسوم، يخضع إنشاء واستثمار المقالع والكسارات لترخيص مسبق، فيما يتولى المجلس الوطني للمقالع، الذي يرأسه وزير البيئة ويضم ممثلين عن عدد من الوزارات، مهام وضع الشروط العامة للقطاع وقبول طلبات الترخيص أو رفضها.
كما تحدد وزارة البيئة الشروط البيئية المطلوبة لملفات الترخيص، فيما تتطلب إجراءات الوزارة مستندات تشمل تقريرًا بيئيًا وتقنيًا وخطة لتأهيل الموقع بعد انتهاء الاستثمار.
بالتالي، فإن السؤال لا يتعلق فقط بأصحاب الكسارات. المسؤولية موزعة بين المستثمرين والجهات التي تمنح التراخيص والجهات التي يفترض أن تراقب الالتزام بالشروط البيئية وتفرض إعادة التأهيل.
لكن يبقى السؤال الأهم في حالة عكار: كم من هذه التراخيص والمواقع يقع ضمن المحافظة، وما هو وضعها القانوني والبيئي اليوم؟
وهذه المعلومة لا تظهر في إعلان وزارة البيئة عن أكثر من 1,500 عقار مستثمر على المستوى الوطني، لذلك لا يصح نسب هذا الرقم إلى عكار من دون كشف رسمي يحدد توزيع هذه العقارات جغرافيًا.
ماذا تحقق من وعود 2025؟
في تشرين الثاني 2025، أعلنت وزارة البيئة أنها باشرت إعداد مشروع قانون جديد للمقالع والكسارات بهدف إدارة القطاع بصورة أكثر فعالية واستدامة. كما أعلنت أنها تعمل على تصحيح آلية احتساب كلفة الضرر البيئي وكلفة التأهيل، وبدأت بإصدار أوامر تحصيل لأكثر من 1,500 عقار مستثمر، مع إقرار الإجراءات التنفيذية المتعلقة بذلك في مجلس الوزراء.
لكن الإعلان عن مشروع قانون لا يعني أن القانون أصبح نافذًا. وحتى الآن، لا يظهر في المصادر الرسمية التي أمكن الوصول إليها ما يؤكد إقرار مشروع القانون الجديد أو دخوله حيز التنفيذ.
أما الإجراءات المتعلقة بأكثر من 1,500 عقار، فهي خطوة باتجاه تحميل المستثمرين كلفة الضرر والتأهيل، لكن الرقم المعلن لا يوضح في المصدر الرسمي المتاح كم عقارًا منها يقع في عكار.
وهنا تعود المسؤولية إلى السؤال الأساسي: إذا كانت الدولة تعرف أن القطاع يحتاج إلى إعادة تنظيم وأن هناك كلفة بيئية يجب احتسابها، فمن يراقب المواقع القائمة اليوم؟ ومن يتأكد من أن المستثمر يدفع فعلًا كلفة الضرر ويعيد تأهيل الأرض؟
كلفة لا تظهر في سعر البحص
تؤمن المقالع والكسارات مواد أساسية لقطاع البناء والطرقات، لكن كلفة هذه المواد لا تعكس بالضرورة الكلفة البيئية الكاملة لاستخراجها.
الدراسة العلمية حول الكسارات في لبنان أظهرت أن النشاط استهلك مساحات من الأراضي الزراعية والغابات والمراعي، وأن له آثارًا محتملة على المياه الجوفية والأنظمة البيئية.
وفي عكار، يصف خطّاب هذه الكلفة من خلال ما يراه في الجبال: مسارات مغلقة، تغيّر في شكل الطبيعة، ضجيج مستمر وتأثير محتمل على الحياة البرية.
أما في كرم شباط وبيت جعفر، فتظهر في شهادات السكان المنشورة كلفة أخرى: صعوبة استخدام الأراضي الزراعية، الغبار والضجيج، وتأثير حركة الشاحنات على الحياة اليومية.
في عكار، لا تتعلق العدالة البيئية بمنع الاستثمار بقدر ما تتعلق بمن يدفع ثمنه. فالجبل الذي يُستخرج منه الحجر اليوم، والمسار الذي يُغلق، والأرض التي تفقد جزءًا من قيمتها الطبيعية أو الزراعية، كلها كلف قد تبقى على عاتق المنطقة بعد انتهاء الاستثمار.
والسؤال الذي يبقى مفتوحًا ليس فقط من يستخرج الموارد؟ بل أيضًا: من يراقب، من يحاسب، ومن يدفع كلفة إعادة ما يمكن إعادته؟
المصادر
- وزارة البيئة اللبنانية – المرسوم 8803/2002 لتنظيم المقالع والكسارات
- وزارة البيئة اللبنانية – إجراءات ترخيص المقالع والكسارات
- وزارة البيئة اللبنانية – تقرير اليوم الوطني للبيئة 2025
- Darwish et al. (2011) – Environmental Impact of Quarries on Natural Resources in Lebanon, Land Degradation & Development
- السفير العربي (2024) – تقرير عن كسارات بيت جعفر وتأثيرها البيئي
هذا المحتوى أُنتج بدعم من مؤسسة روزا لوكسمبورغ – Rosa Luxemburg Stiftung



