Skip to main content

spotcastplatform

من يملك الخريطة؟ لماذا تحتاج عكار إلى أطلس موحّد للمعلومات الجغرافية

كم تبلغ مساحة عكار؟ سؤال يبدو بسيطًا، لكن الإجابة عنه ليست كذلك. فبعض المصادر تقول 788 كيلومترًا مربعًا، وأخرى تقول 798. وكم بلدية في المحافظة؟ هنا أيضًا تختلف الأرقام بحسب المصدر والسنة. أما عدد السكان، فلا أحد يملك رقمًا رسميًا دقيقًا، لأن لبنان لم يُجرِ إحصاءً سكانيًا رسميًا شاملًا منذ عام 1932.

قد تبدو هذه التفاصيل تقنية، لكنها في الواقع سياسية بامتياز. فالمنطقة التي لا تُعرَف حدودها بدقة، ولا يُعرَف عدد سكانها، ولا توزّع خدماتها على خريطة واضحة، يسهل أن تغيب عن الموازنات والخطط والقرارات. وفي لبنان، حيث تتوزّع الموارد غالبًا بين مركز يعرف نفسه جيدًا وأطراف لا يعرفها أحد، يصبح السؤال: من يملك الخريطة، ومن يغيب عنها؟

منطقة مرئية في الأزمات، غائبة في البيانات

عكار ليست منطقة مجهولة بالكامل. فالمنظمات الدولية أنتجت عنها خلال السنوات الماضية عشرات الخرائط والتقارير: خرائط لتوزّع اللاجئين السوريين بحسب المناطق العقارية، وأخرى لشحّ المياه، وتقييمات للفقر والخدمات. وبحسب تقييم البنك الدولي للفقر في لبنان، ارتفعت نسبة الفقر في عكار من 22% عام 2012 إلى 62% عام 2022. وتشير أرقام المديرية العامة للأحوال الشخصية إلى أن عدد الناخبين المسجّلين في المحافظة بلغ نحو 326 ألفًا عام 2025.

لكن هذه المعلومات موزّعة بين جهات كثيرة: وزارات، وبلديات، واتحادات بلديات، ووكالات أممية، ومنظمات غير حكومية، وباحثين. كل جهة تجمع ما تحتاج إليه لمشروعها، بصيغتها الخاصة، وبأسماء قرى قد تُكتب بالعربية أو الفرنسية أو الإنكليزية بأشكال مختلفة. وعندما ينتهي المشروع، تبقى البيانات غالبًا في أرشيف الجهة التي جمعتها، ولا تصل إلى البلدية أو إلى المواطن.

هكذا تصبح عكار مرئية في لحظات الأزمة، حين تتدفّق المساعدات وتُرسم الخرائط العاجلة، وتعود غائبة حين يحين وقت التخطيط طويل الأمد.

ما هي نظم المعلومات الجغرافية، ولماذا تهمّنا؟

نظم المعلومات الجغرافية، أو ما يُعرف اختصارًا بـ GIS، هي أدوات تربط المعلومات بالمكان. فبدل أن تكون لدينا قائمة بأسماء القرى وعدد سكانها، يمكن أن نرى على خريطة واحدة أين تقع كل قرية، وكم تبعد عن أقرب مستشفى أو مدرسة، وأين تمرّ شبكات المياه والكهرباء، وأين تقع الأراضي الزراعية أو المناطق المعرّضة للانزلاقات والفيضانات.

بهذه الطريقة تتحوّل البيانات المتفرّقة إلى صورة يمكن قراءتها واتخاذ القرار على أساسها. فالبلدية التي تملك خريطة دقيقة لحدودها وشبكاتها وسكانها تستطيع أن تحدّد أولوياتها، وأن تقدّم طلبات تمويل مقنعة، وأن تتابع تنفيذ المشاريع. والجهة المانحة التي ترى الحاجات على الخريطة تستطيع أن توزّع مواردها بعدالة أكبر. والمواطن الذي يصل إلى هذه المعلومات يستطيع أن يسأل لماذا وصلت الخدمة إلى قرية ولم تصل إلى أخرى.

وتظهر أهمية هذه الأدوات بوضوح في إدارة المخاطر. ففي طرابلس، تتحدّث البلدية عن مئات المباني المعرّضة للانهيار. لو كانت هذه المباني مسجّلة في قاعدة بيانات جغرافية محدّثة، تربط كل مبنى بعمره وحالته الإنشائية وعدد سكانه، لأمكن تحديد الأولويات والتدخّل قبل وقوع الكارثة، لا بعدها.

تجربة على الأرض: البلديات والخرائط

في السنوات الأخيرة، عملت منظمة SALAR International، الذراع الدولية لرابطة السلطات المحلية والمناطق في السويد، مع اتحادات بلديات في عكار ضمن مشروع «ريسلوغ» (RESLOG) لتعزيز صمود الحكم المحلي في المناطق المستضيفة للاجئين السوريين في لبنان وتركيا. ومن بين محاور العمل، تشجيع استخدام نظم المعلومات الجغرافية في التخطيط المحلي. ففي عام 2020، نظّم المشروع زيارة لتبادل الخبرات بين اتحادَي بلديات الدريب الأوسط وجرد القيطع وبلدية الحازمية، للاطلاع على قسم نظم المعلومات الجغرافية فيها وأثره على التنمية المحلية. وقد استمرّت المرحلة الثانية من المشروع، بتمويل سويدي، من أيار 2022 حتى آذار 2026.

توضح ثريا حمود، مديرة SALAR International في لبنان، أن التجمّع السويدي الذي تنبثق عنه المنظمة يضمّ نحو 290 بلدية واتحادًا ومنطقة، ومقرّه ستوكهولم. وفي لبنان، تركّز عمل المنظمة على المستوى المحلي في عكار، وكانت نظم المعلومات الجغرافية جزءًا من محور بناء قدرات السلطات المحلية، وشريكها الأساسي اتحادات البلديات والبلديات.

بدأ العمل على نظم المعلومات الجغرافية عام 2019 في اتحاد بلديات جرد القيطع، واستمر حتى آخر تحديث للبيانات عام 2025. ثم توسّع إلى اتحاد بلديات الدريب الأوسط، واتحاد الجومة بالكامل، ونهر الأسطوان، فيما جرى العمل في وسط القيطع على مستوى بلديتَي برقايل وببنين. وتقدّر حمود أن العمل غطّى «فوق نصّ عكار تقريبًا».

وتشرح أن الفريق بدأ من الأساس: خرائط الطرقات، وترقيم الشوارع والمنازل، وشراء صور جوية، ثم جمع بيانات على مستوى الأسرة لكل السكان المقيمين، لبنانيين وسوريين، إضافة إلى خرائط للخدمات والأماكن السياحية. «المشكلة اللي كنا عم نجرّب نحلّها إنو ما في داتا أصلًا»، تقول. «كل شي كان مبني على فرضيات». فجُمعت المعلومات في قاعدة بيانات واحدة من طبقات متعددة، وصُمّمت للبلديات لوحة بيانات سهلة الاستخدام لا تحتاج إلى خبرة تقنية، تُحدَّث سنويًا.

جرى العمل بالشراكة مع وحدة نظم المعلومات الجغرافية في كلية الهندسة بجامعة البلمند، التي ما زالت تحتضن البيانات. ودرّب المشروع وحدات تقنية داخل الاتحادات، ووفّر لها حسابات على البرامج لثلاث سنوات، بلغ عددها نحو خمسين حسابًا، إضافة إلى نظام لتحديد الإحداثيات ميدانيًا. وما زالت بعض البلديات تستخدمه حتى اليوم، كما في خربة الجندي في نهر الأسطوان، حيث يُستعمل لرسم المحاور الوسطى للطرقات.

الأثر الأوضح، بحسب حمود، كان في طريقة التخطيط نفسها. فبدل أن يقول رئيس البلدية لأي جهة مانحة إنه بحاجة إلى «أي مشروع»، صار يقدّم المشكلة بالأرقام: عدد المتضررين، والكلفة، والنتيجة المتوقعة. «صرنا نسمّيه تخطيط مبني على وقائع، مش على فرضيات». وتذكّر بأن اتحاد جرد القيطع تمكّن، في إحدى السنوات، من جمع مشاريع تقارب قيمتها 800 ألف دولار بالاستناد إلى هذه البيانات، بحسب تقديرها.

وتعطي مثالين ملموسين. الأول في مشروع لإدارة النفايات ممول من الاتحاد الأوروبي، حيث احتُسبت كلفة الاسترداد في البداية على أساس أعداد مفترضة للوحدات السكنية والتجارية، ثم تبيّن بعد جمع البيانات أن الحسابات خاطئة فأُعيد احتسابها. والثاني خلال انتشار الكوليرا، حين أظهرت دراسة لنقاط المياه أن معظم المصادر في إحدى القرى ملوثة، فقدّمت البلدية مشروعًا مدعومًا بالأرقام حصلت بموجبه على تمويل من الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID) لتشغيل مصدر مياه بديل بالطاقة الشمسية، بكلفة تقارب 450 ألف دولار، بحسب تقديرها.

لكن الطريق لم يكن سهلًا. فالأزمة الاقتصادية جعلت البلديات عاجزة عن تغطية الكلفة، فتحمّلت المنظمة جزءًا منها، فيما ساهمت الاتحادات بجزء آخر. واعتمد العمل الميداني على متطوعين من أبناء المنطقة، تجاوز عددهم المئة في بعض المناطق، ما جعل إدارتهم تحديًا بحد ذاته. والتحدي الأكبر، كما تقول، هو الاستدامة: هل تستطيع البلديات والاتحادات مواصلة التحديث بعد انتهاء التمويل؟ فالتمويل توقّف، ولم يعد الفريق يعمل على الأرض، وإن كان يلبّي الطلبات حين يُتّصل به.

أما الوصول إلى البيانات، فمحكوم بقواعد. الخرائط العامة متاحة، أما بيانات الأسر فسرية، وأي طلب للحصول عليها يمرّ عبر الاتحاد المعني، «لأنو الداتا انعملت للاتحاد، مش إلنا». وتلفت حمود إلى أن إدارة هذه المعلومات أسهل على مستوى السلطة المحلية منها على مستوى السلطة المركزية، نظرًا إلى حساسيتها.

وعن الخطر في بقاء المعلومات مشتتة، تجيب بلا تردّد: أن تُهدر الموارد على إعادة العمل نفسه، وأن تستخدم جهات بيانات لم تُنتجها لجمع تمويل باسمها. ومع ذلك، ترى أن فكرة أطلس موحّد لعكار «كتير مهمة»، لأن الفجوات ما زالت قائمة رغم كل ما أُنجز، في مناطق مثل حلبا التي لم تُستكمل فيها البيانات. لكنها تشدّد على أن أي مشروع موحّد يحتاج إلى تفكير دقيق في إدارة البيانات وحمايتها قبل تعميمها.

أطلس عكار: محاولة لجمع القطع

انطلاقًا من هذه الحاجة، تعمل منصة «سبوت كاست» على مشروع «أطلس عكار»، وهو محاولة لجمع المعلومات المتفرّقة عن المحافظة في مكان واحد، مفتوح ومُوثّق. ولا ينطلق الأطلس من الصفر، بل يسعى إلى البناء على ما أنجزته البلديات والمنظمات والباحثون قبله، وإلى ربط البيانات ببعضها.

حتى الآن، أُنجز جزء من العمل:

  • خريطة تفاعلية ثلاثية الأبعاد لقرى عكار، تعتمد الحدود الرسمية للمحافظة وإحداثيات جرى التحقّق منها لكل قرية، مع بيانات الارتفاع الفعلية للتضاريس.
  • طبقة ديموغرافية مبنية على بيانات السجلات المدنية لعام 2025.
  • أرشيف تاريخي وقانوني يضمّ أكثر من 200 محضر من جلسات مجلس النواب بين عامَي 1922 و1958، ومجموعة من النصوص المنشورة في الجريدة الرسمية حول عكار، من بينها قرارات اختتام أعمال التحديد والتحرير العقاري في عشرات المناطق.
  • إطار منهجي يحدّد مصادر البيانات وتسلسل موثوقيتها، ويفرض أن تُنشر كل معلومة مع مصدرها وتاريخها ودرجة التحقّق منها: مؤكَّدة، أو جزئية، أو غير متوفّرة.

هذه النقطة الأخيرة جوهرية. ففي بلد تتناقض فيه الأرقام بين مصدر وآخر، لا يكفي أن نرسم خريطة جميلة. المطلوب أن يعرف المستخدم من أين جاءت كل معلومة، ومتى، وإلى أي حدّ يمكن الاعتماد عليها. وأن نعترف بوضوح بما لا نعرفه.

لماذا مشروع موحّد؟

المشكلة في عكار ليست غياب البيانات بالكامل، بل تشتّتها. وكل مشروع جديد يبدأ تقريبًا من الصفر: يجمع البيانات نفسها، ويواجه التناقضات نفسها، ثم ينتهي ويترك خلفه ملفات لا يصل إليها أحد. والنتيجة هدر للمال والجهد، وقرارات تُبنى على صورة ناقصة.

المشروع الموحّد يعني منصة مشتركة تلتزم بها الجهات المختلفة، تقوم على عدة مبادئ:

  • معايير مشتركة: قاموس موحّد لأسماء القرى والبلديات والمناطق العقارية، وحدود جغرافية متّفق عليها.
  • بيانات مفتوحة: تُتاح للبلديات والباحثين والصحافيين والمواطنين، لا أن تبقى حكرًا على من جمعها.
  • تحديث مستمرّ: لا يتوقّف عند انتهاء التمويل، بل تتولّاه جهات محلية قادرة على متابعته.
  • شراكة: بين اتحادات البلديات والجامعات والمنظمات والإعلام المحلي، بحيث يضيف كل طرف ما يملكه بدل أن يكرّر ما أنجزه غيره.

الخريطة كأداة مساءلة

في مقال سابق على «سبوت كاست»، أظهرت بيانات مبادرة «غربال» أن 10 من أصل 12 طلب معلومات قُدّمت إلى جهات في عكار بقيت بلا ردّ. وبحسب منصة الشراء العام التابعة للمبادرة، أعلنت طرابلس وحدها عن 312 صفقة عمومية، مقابل 174 صفقة لجميع الجهات العامة في محافظة عكار مجتمعة. هذه المعطيات تقول شيئًا واحدًا: المعلومة في الأطراف أصعب منالًا، وغيابها يجعل المساءلة أصعب.

من هنا، لا تقتصر أهمية الخريطة على التخطيط التقني. فهي أيضًا أداة لإظهار الفجوات: أين لا تصل المياه، وأين تغيب المدارس، وأين تتركّز المشاريع وأين تغيب. وحين تصبح هذه الفجوات مرئية على خريطة يمكن لأي شخص أن يطّلع عليها، يصبح من الأصعب تجاهلها.

عكار لم تكن يومًا غائبة عن الواقع. كانت غائبة عن الخريطة التي تُتّخذ على أساسها القرارات. والخطوة الأولى لتغيير ذلك أن نرسم هذه الخريطة بأنفسنا، بشكل مشترك ومفتوح، وأن نضعها في أيدي الناس الذين يعيشون عليها.

Facebook
X
WhatsApp