تخطي إلى المحتوى الرئيسي

spotcastplatform

العجز المكتسب: مدينة تسقط وريف يُطفأ

في طرابلس، عائلة لا تنام لأن السقف فوقها قد يسقط في أي لحظة. وفي عكار، عائلة أخرى تجلس في العتمة على بُعد كيلومترات من نهر يولّد الكهرباء منذ مئة عام. المشهدان يبدوان مختلفين، لكنهما يرويان القصة نفسها: موارد موجودة، ومشكلات معروفة، وحلول ممكنة، ودولة تتأخّر في القرار، فيما يدفع الناس الثمن من أمانهم ومن جيوبهم.

وبين الانتظار الطويل وتكرار الخيبة، يحدث شيء أخطر من الانهيار والعتمة: يتوقّف الناس عن الانتظار أصلًا.

مدينة تسقط

في شباط 2026، انهار مبنى سكني قديم في باب التبانة في طرابلس، كان يضمّ قسمين بستّ شقق في كل منهما، ويسكنه نحو 22 شخصًا. قُتل في الانهيار 14 شخصًا. وبعد الكارثة، تحدّثت بلدية طرابلس عن نحو 700 مبنى معرّض للخطر في المدينة، وتعهّدت الحكومة بتأهيل البنى التحتية في المناطق المهمّشة.

بعد خمسة أشهر، في تموز 2026، كانت البلدية تتحدّث عن نحو 105 مبانٍ معرّضة للانهيار وتحتاج إلى إخلاء فوري. لكن الإخلاء يحتاج إلى بديل، والبديل غير موجود. لذلك بقيت مئات العائلات في بيوتها، تراقب الشقوق في الجدران، وتناشد الدولة والمجلس البلدي أن يتدخّلا. أحد السكان قال لقناة الجزيرة إن عائلته لا تنام ليلًا خوفًا من أن ينهار المبنى فجأة.

وفي حلقة «ليش أبنية طرابلس عم توقع؟» من سلسلة «الهامش بيسأل» على منصة «سبوت كاست»، طُرح السؤال الأساسي: مَن يحمي الذين ما زالوا يعيشون داخل أبنية مهدّدة؟ الجواب العملي حتى الآن: لا أحد بشكل كافٍ. فالمالك القديم لا يملك المال للترميم، والمستأجر لا يملك مكانًا آخر يذهب إليه، والبلدية تملك الإحصاءات لكنها لا تملك الموارد، والدولة تملك الوعود.

ريف يُطفأ

على بُعد أقل من ساعة شمالًا، تقف محطة نهر البارد الكهرومائية في عكار. وهي في الواقع محطتان: البارد 1 بقدرة 13.5 ميغاواط، والبارد 2 بقدرة 3.7 ميغاواط، أي 17.2 ميغاواط مجتمعة. لكن هذه المحطات القديمة أنهكها الإهمال، فيما تعيش القرى حولها على التقنين وفواتير المولّدات الخاصة.

تاريخ هذه الكهرباء يروي جزءًا من الحكاية. ففي عشرينيات القرن الماضي، وهب عبود بك عبد الرزاق أرضًا لمشروع كهرباء نهر البارد. وفي عام 1953، وقف النائب بشير العثمان في مجلس النواب يطالب بحق عكار في الكهرباء. أي إن مطلب «النور لعكار» عمره أكثر من سبعين عامًا، وما زال مطروحًا.

في كانون الثاني 2026، أطلق وزير الطاقة والمياه جو صدّي مشروع تأهيل محطتي البارد، بتمويل من التعاون الألماني عبر بنك التنمية الألماني KfW وبدعم تقني من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. يُتوقّع أن يرفع المشروع الإنتاج بنحو 15% وأن يوفّر كهرباء أكثر استقرارًا لنحو 27 ألف نسمة. لكن مدّة المشروع 52 شهرًا، أي أن النتائج الكاملة لن تظهر قبل عام 2030.

وفي حلقة «عكّار بتعوم عَ المي… وبتغرق بالعتمة» من «الهامش بيسأل»، اختُصر الأمر بجملة واحدة: «المي موجودة، والحلول موجودة… بس وين القرار؟».

نمط واحد بوجهين

ليس انهيار مبنى في التبانة ولا انقطاع الكهرباء في قرية عكارية حادثًا معزولًا. كلاهما نتيجة نمط واحد يتكرّر في الشمال:

  • بنية قديمة بلا صيانة: مبانٍ عمرها عقود في طرابلس، ومحطات كهرومائية قديمة في عكار.
  • مسؤولية ضائعة: بين المالك والبلدية والوزارة في حالة الأبنية، وبين الوزارة ومؤسسة كهرباء لبنان والجهات المانحة في حالة الكهرباء.
  • قرار مؤجَّل: المشكلة معروفة، والإحصاءات موجودة، والحلول التقنية متاحة، لكن القرار والتمويل يتأخّران.
  • كلفة تنتقل إلى الناس: العائلة تدفع فاتورة المولّد، أو تبقى في مبنى مهدّد لأنها لا تملك بديلًا.

في الحالتين، لا تختفي الكلفة، بل تنتقل من الموازنة العامة إلى موازنة البيت. والفرق أن الدولة تستطيع تأجيل الدفع، أما العائلة فتدفع كل شهر، أو تدفع بحياتها.

العجز المكتسب

في ستينيات القرن الماضي، صاغ عالم النفس الأميركي مارتن سليغمان مفهوم «العجز المكتسب». فحين يتعرّض الكائن مرارًا لأذى لا يستطيع التحكّم فيه، يتعلّم أن أفعاله لا تغيّر شيئًا، فيتوقّف عن المحاولة، حتى عندما يصبح التغيير ممكنًا.

يمكن قراءة علاقة كثير من سكان الشمال بالدولة من خلال هذا المفهوم. فبعد عقود من الوعود غير المنفّذة، يتحوّل الخطر إلى جزء من الحياة اليومية. يصبح الشقّ في الجدار تفصيلًا عاديًا، وتصبح فاتورة المولّد بندًا ثابتًا مثل الخبز، ويصبح السؤال «متى تأتي الدولة؟» سؤالًا ساذجًا لا يطرحه أحد.

وهنا تكمن الخطورة. فالعجز المكتسب لا يعني فقط أن الناس يتحمّلون، بل يعني أنهم يتوقّفون عن المطالبة. ومجتمع لا يطالب، يسهل تأجيل حقوقه مرة أخرى. هكذا يصبح الإهمال سياسة تعيد إنتاج نفسها: الدولة تتأخّر لأن الناس لا يضغطون، والناس لا يضغطون لأنهم تعلّموا أن الضغط لا يفيد.

لكن العجز المكتسب، كما يقول المفهوم نفسه، ليس قدرًا. إنه شيء تعلّمناه، ويمكن أن نتعلّم عكسه. والخطوة الأولى في ذلك هي أن نسمّي ما يحدث باسمه: ليس «سوء حظ» ولا «قضاء وقدر»، بل نتيجة قرارات، أو غياب قرارات، يمكن تتبّعها ومساءلة أصحابها.

من يدفع ومن يقرّر؟

ما يجمع طرابلس وعكار ليس الفقر وحده، بل الفجوة بين مَن يدفع ومَن يقرّر. فالذين يدفعون الثمن، أي سكان الأبنية المهدّدة والقرى المعتمة، هم الأبعد عن مراكز القرار. والذين يملكون القرار، أي الوزارات والمجالس والنواب، لا يعيشون تحت السقف المتشقّق ولا في العتمة.

لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس تقنيًا. لا أحد يحتاج إلى دراسة جديدة ليعرف أن المبنى المتشقّق خطر، أو أن المحطة المعطّلة تحتاج إلى تأهيل. السؤال سياسي: مَن يضع هذه الملفات على رأس الأولويات؟ ومَن يُحاسَب عندما تتأخّر؟

كيف نكسر الحلقة؟

كسر العجز المكتسب لا يبدأ بمشروع كبير، بل بخطوات صغيرة تعيد للناس الإحساس بأن أفعالهم تُحدث فرقًا. ومن هذه الخطوات:

  • نشر المعلومات: أن تنشر بلدية طرابلس لائحة واضحة بالمباني المهدّدة، ودرجة خطورة كل منها، والجهة المسؤولة عن متابعتها. وأن تنشر وزارة الطاقة جدولًا زمنيًا علنيًا لمراحل تأهيل محطتي البارد، يتيح للناس متابعة التنفيذ.
  • حلول مؤقتة لا تنتظر الحل النهائي: بدل سكن مؤقت للعائلات التي يجب إخلاؤها، وصندوق طوارئ للترميم العاجل، وتعرفة عادلة ومراقبة للمولّدات إلى حين عودة الكهرباء العامة.
  • تنظيم الناس أنفسهم: لجان أبنية في الأحياء المهدّدة، ولجان أهلية في القرى، تجمع المعلومات وتتابع الملفات مع البلدية والنواب والوزارات. فالمطالبة الجماعية المنظّمة أصعب تجاهلًا من الشكوى الفردية.
  • استخدام القانون: فقانون حق الوصول إلى المعلومات يتيح لأي مواطن أن يطلب نسخًا من الكشوفات الهندسية والعقود والموازنات المتعلقة بهذه الملفات. وكل طلب يُقدَّم هو تذكير بأن هناك من يراقب.
  • الإعلام المحلي: أن يبقى السؤال مطروحًا بعد أن تنتهي التغطية العاجلة للكارثة، لا أن يُنسى حتى الانهيار التالي.

هذه الخطوات لا تحلّ أزمة الأبنية ولا أزمة الكهرباء وحدها، لكنها تكسر الفكرة التي يقوم عليها العجز المكتسب: أن لا شيء يتغيّر مهما فعلنا.

في طرابلس، لن تحمي أي دراسة العائلة التي تنام الليلة في مبنى مهدّد. وفي عكار، لن يُضيء أي مشروع ينتهي عام 2030 بيوت الشتاء المقبل. بين المدينة التي تسقط والريف الذي يُطفأ، يبقى السؤال نفسه معلّقًا: «الحلول موجودة… بس وين القرار؟»

Facebook
X
WhatsApp

النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية لدينا للحصول على معلومات التحديث والأخبار والرؤى المجانية.