كتابة: أحمد رستم
سلسلة، الهامش بيسأل
في ظل الأزمة الاقتصادية، لم يعد عمل المرأة الريفية خيارًا بالنسبة لكثيرات، بل ضرورة فرضتها الظروف المعيشية. وبين محدودية فرص العمل داخل القرى والعوائق الاجتماعية التي ما زالت تواجهها، تجد العديد من النساء أنفسهن مضطرات إلى التنقل نحو المدن أو إطلاق مشاريعهن الخاصة لتأمين دخل لأسرهن.
يناقش هذا المقال واقع المرأة في سوق العمل الريفي، من خلال مقابلات ميدانية مع نساء من الشمال اللبناني، لرصد أبرز التحديات التي تواجههن، والفرص التي استطعن خلقها رغم الصعوبات.
تعكس الأرقام حجم التحديات التي تواجهها المرأة اللبنانية في سوق العمل. فبحسب البنك الدولي، لا تتجاوز نسبة مشاركة النساء في القوى العاملة 22%، وهي من بين الأدنى في المنطقة. كما أظهرت دراسة للبنك الدولي أن 60% من الأمهات يعتبرن غياب خدمات رعاية الأطفال السبب الرئيسي لعدم دخولهن سوق العمل، إلى جانب عوامل أخرى مثل تدني الأجور، وصعوبة المواصلات، والقيود الاجتماعية التي لا تزال تحدّ من مشاركة المرأة، خصوصًا في المناطق الريفية.
نسرين (43 عامًا)، ممرضة في مستشفى المنلا، تسكن في إحدى قرى الشمال، وتتنقل يوميًا إلى مدينة طرابلس لممارسة عملها. وتقول إن رحلة العمل اليومية أصبحت جزءًا من حياتها، لكنها كانت ستفضّل لو توفرت لها فرصة عمل مماثلة في منطقتها. تضيف نسرين: “لو لقيت شغل بنفس الراتب وبنفس الظروف بقريتي، أكيد بفضّل اشتغل هونيك. التنقل كل يوم مرهق، وبيستهلك وقت ومصاريف وجهد”.
وترى أن محدودية فرص العمل في الريف هي السبب الأساسي الذي يدفع الكثير من النساء إلى التوجه نحو المدينة، مضيفةً: ما في مصانع ولا مؤسسات كبيرة بالريف، ولهيك أغلب النساء إذا بدهن يشتغلوا بيضطروا ينزلوا عالمدينة. لا تقتصر التحديات، بحسب نسرين، على الجانب الاقتصادي، بل تمتد إلى العوامل الاجتماعية أيضًا، إذ تقول: في رجال بالريف بعدهم ما بيقبلوا إن زوجاتهم يشتغلوا، لأنهم بيعتبروا إن هالشي بينقص من رجولتهم أو من صورتهم قدام المجتمع.
بالنسبة للفجوة بين الرجل والمرأة في سوق العمل، تشير إلى أن بعض أصحاب العمل لا يزالون يمنحون الأفضلية للرجل، موضحةً: “بعد في ناس بيعتبروا إن الرجل هو ربّ الأسرة، وإنه بيقدر يعطي بالشغل أكتر، ولهيك فرصه بالتوظيف بتكون أكبر من المرأة، حتى لو كانت كفاءتها عالية”. وتختتم حديثها “بالتأكيد أن المرأة الريفية تمتلك القدرة والكفاءة، لكنها تحتاج إلى فرص عادلة تتيح لها العمل بالقرب من مكان سكنها، بعيدًا عن أعباء التنقل اليومي والقيود الاجتماعية التي ما زالت تحدّ من مشاركتها في سوق العمل”.
تعكس هذه الشهادة واقع عدد كبير من النساء الريفيات في شمال لبنان اللواتي لا تمنعهن قلة فرص العمل فحسب، بل أيضًا القيود الاجتماعية التي ما زالت تؤثر في قراراتهن المهنية. إذ يضطر العديد منهن إلى التنقل يوميًا نحو المدن بحثًا عن عمل يكشف حجم الفجوة التنموية بين الريف والمدينة، كما يسلّط الضوء على الحاجة إلى خلق فرص عمل محلية تتيح للمرأة المشاركة في سوق العمل من دون تحمّل أعباء إضافية. كما تُظهر هذه التجربة أن تحقيق المساواة في سوق العمل لا يرتبط فقط بتوفير الوظائف، بل يتطلب أيضًا تغييرًا في النظرة المجتمعية إلى دور المرأة، وضمان تكافؤ الفرص بينها وبين الرجل.
غنى هرموش (40 عامًا)، من بلدة السفيرة في شمال لبنان، تتنقل إلى مدينة طرابلس حيث تمتلك متجرًا في ساحة النجمة لبيع المونة والألبان والأجبان. بدأت مشروعها بعد أن فرضت الأزمة الاقتصادية واقعًا معيشيًا صعبًا على عائلتها، فقررت ألا تبقى مكتوفة اليدين، وأن تبحث عن مصدر دخل يساعدها في إعالة أسرتها.
تقول غنى: “ما كان عندي خيار. الظروف أجبرتني اشتغل، وقلت لازم اعتمد على حالي وأبلّش من الصفر”. ورغم أنها تنتمي إلى عائلة محافظة لم تكن تؤيد ظهورها أمام الكاميرا، قررت أن تسوّق منتجاتها عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وتضيف: “كل الناس كانوا يقولولي لا تطلعي عالسوشال ميديا، بس كنت مؤمنة إنو إذا الناس ما شافت شغلي، ما رح تعرفني”. وبفضل إصرارها، نجحت في بناء حضور رقمي لافت، إذ يتابعها اليوم نحو 15,500 شخص على منصة تيك توك، الأمر الذي ساهم في انتشار منتجاتها ووصولها إلى شريحة أوسع من الزبائن.
تضيف أن نجاح المشروع لم يتوقف عند زيادة المبيعات، بل مكّنها من افتتاح فرعٍ ثانٍ ومعملٍ لإنتاج الحلويات، إلى جانب توفير فرص عمل لعدد من النساء. وتقول: “كنت بدي مشروعي يكبر، بس كمان كنت بدي افتح باب رزق لغيري من النساء، لأن بعرف قديش في عائلات محتاجة”. وترى غنى أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت اليوم فرصة حقيقية للمرأة، “اليوم صار عند المرأة فرصة أكبر من قبل حتى تشتغل وتوصل منتجاتها للناس، والسوشيل ميديا كسرت حواجز كانت موجودة”. أما بالنسبة لنظرة المجتمع، تؤكد أنها لم تتلقَّ أي تشجيع في بداية الطريق، بل واجهت الكثير من الانتقادات. “كانوا كلهم يدفشوني لورا، ويقولولي ما رح تنجحي، بس ثقتي بحالي كانت أكبر”. بالرغم من تعثر مشروعها مرتين خلال جائحة كورونا والأزمة الاقتصادية، رفضت الاستسلام، وتختم حديثها بالقول: “كل مرة وقعت فيها، رجعت وقفت من جديد. الفشل ما وقفني، بالعكس هو اللي علّمني وكوّن شخصيتي”.
تُظهر هذه التجربة أن المرأة الريفية لم تعد تكتفي بانتظار فرص العمل، بل باتت تسعى إلى صناعتها بنفسها، مستفيدةً من الأدوات التي وفّرتها التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي. وفي المقابل، تكشف قصتها أن نجاح المرأة لا يعتمد على الإرادة الفردية فقط، بل يتطلب أيضًا بيئة اجتماعية أكثر دعمًا، وسياسات تشجّع المبادرات النسائية وتساعدها على النمو. وبين التحديات التي واجهتها والنجاح الذي حققته، تقدم هذه التجربة نموذجًا لما يمكن أن تحققه المرأة الريفية عندما تتوافر لها الفرصة والإصرار.
لا يوجد في قانون لبناني واحد يحمي المرأة العاملة في الريف بشكل خاص. كما لا توجد سياسة نقل عام تربط القرى بمراكز العمل. كما لا توجد حضانات حكومية بالأرياف الشمالية. ولا أرقام رسمية تعدّ النساء اللواتي تركن سوق العمل لأن التنقل أصبح أغلى من الراتب.

نسرين وغنى ليستا استثناءين، هما القاعدة. وشهادتاهما تكشفان أن المرأة في الشمال لا تغيب عن سوق العمل لأنها لا تريد، بل لأن المنظومة برمّتها من غياب البنية التحتية إلى القيود الاجتماعية لم تُبنَ على فرضية أنها جزء منه أصلاً. الفجوة بين الريف والمدينة ليست فجوة جغرافية فقط. هي فجوة في الفرص، في الخدمات، في النظرة إلى من يستحق العمل ومن لا يستحق. وما دامت هذه الفجوة قائمة، ستبقى نساء كثيرات يخترن بين عملهن وبيتهن لا لأن الاختيار حرّ، بل لأن الظروف لم تترك لهن خياراً آخر.




