تخطي إلى المحتوى الرئيسي

spotcastplatform

بين ملف المفوضية والكفيل: العامل السوري في لبنان بعد سقوط الأسد

«ما فيني أعطيك أرقام مظبوطة». بهذه الجملة يبدأ عامل سوري يعمل لدى شركة خاصة في لبنان، فضّل عدم ذكر اسمه، حديثه عن كلفة تسوية وضعه القانوني. هو يعرف كم طُلب منه، لكنه لا يعرف كم يُفترض أن يدفع، ولا كم يذهب من المبلغ إلى الدولة وكم يذهب إلى من «يمشّي الأوراق». وحين يُسأل من يتحمّل الكلفة، يأتي جوابه بلا تردّد: «أكيد أنا. كل شي أنا بدفعه».

قصته تكشف جانبًا من أثر قرارات المديرية العامة للأمن العام ووزارة العمل منذ تشرين الثاني 2025، التي طلبت من السوريين العاملين في لبنان تسوية أوضاعهم عبر إجازة عمل أو كفالة. وهي تطرح سؤالًا يتجاوز القانون إلى طريقة تطبيقه: كيف يمكن لعامل أن يلتزم بإجراءات لا يعرف كلفتها مسبقًا؟

ماذا تطلب القرارات؟

بحسب ما نشره الأمن العام والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، يُطلب من السوري الذي يعمل في لبنان أن يحصل على إقامة مبنية على العمل، وفق مسارين:

  • إذا كان صاحب العمل شركة أو مؤسسة: يجب الحصول على إجازة عمل من وزارة العمل، ثم على إقامة عمل سنوية من الأمن العام على أساسها. وقد أوقف الأمن العام قبول طلبات الإقامة المؤقتة بموجب «تعهّد مسؤولية – عمل» لدى الشركات والمؤسسات، وطلب من أصحابها التوجّه مباشرة إلى وزارة العمل.
  • إذا كان صاحب العمل فردًا (سائق لدى عائلة، ناطور، جنائني، عامل منزلي): تُمنح إقامة مؤقتة لمدة سنة بموجب تعهّد مسؤولية منظّم لدى الكاتب العدل، من دون إجازة عمل.

ويشمل المساران فقط من دخل لبنان بصورة شرعية. أما المسجّلون لدى المفوضية الذين يعملون، فعليهم توقيع تصريح طوعي بإقفال ملفاتهم لديها، مع دفع رسوم التأخير منذ انتهاء آخر إقامة لهم. وتوضح المفوضية أن أفراد العائلة يمكن أن يبقوا مسجّلين لديها ضمن شروط، فلا يعني إقفال ملف العامل إقفالًا تلقائيًا لملف أسرته.

ولإقفال الملف ثمن. فبحسب المفوضية، يخسر العامل المساعدات الإنسانية، وقد لا يتمكّن من إعادة فتح ملفه لاحقًا، وقد يتأثر أي طلب إعادة توطين قدّمه. والأهم أن تحويل العامل من صفة «النازح» إلى صفة «العامل» لا يجيب عن السؤال الذي جعله نازحًا أصلًا: هل العودة آمنة وممكنة بالنسبة إليه؟ فالعمل وحده لا يلغي الحاجة إلى الحماية.

وتسمح القواعد بنقل الإقامة بين أصحاب العمل، لكن بشروط. فإذا كانت الإقامة صالحة، يُطلب تنازل من صاحب العمل السابق إلى جانب تعهّد من صاحب العمل الجديد. أما إذا كانت منتهية، فيكفي تعهّد صاحب العمل الجديد. ولا يُسمح بالانتقال من شركة إلى صاحب عمل فرد. أي أن العامل الذي يملك إقامة سارية يحتاج إلى موافقة صاحب عمله الحالي كي يغيّر عمله.

كم طُلب منه أن يدفع؟

لأن صاحب عمله شركة، كان على العامل أن يسلك طريق إجازة العمل. لكنه لم يتعامل مع الإدارات مباشرة، بل عبر مخلّص معاملات: شخص يجهّز الملف، ويرافق العمّال إلى الأمن العام، ويحدّد لهم ما عليهم دفعه. وبحسب رواية العامل، هذه هي المبالغ التي ذُكرت له:

البند المبلغ كما ذكره العامل الوضع
إجازة العمل 2,000 دولار طُلب منه، لم يُتحقّق من دفعه أو مما يشمله
رسوم الإقامة لدى الأمن العام نحو 18 مليون ليرة (نحو 200 دولار) يتطابق مع رسم رسمي منشور
ورقة الكاتب العدل 5 ملايين ليرة (نحو 56 دولارًا) يتقاضاها المخلّص، ويقول العامل إنها تكلّف 4 ملايين
أتعاب المخلّص 5 ملايين ليرة (نحو 56 دولارًا) بحسب العامل
التأمين الصحي لم يُطلب منه غير محسوب، رغم أنه من المستندات المطلوبة
إجمالي المبالغ المذكورة في الشهادة نحو 2,300 دولار ليست تسعيرة رسمية ولا كلفة مكتملة

التحويل على أساس سعر صرف يقارب 89,500 ليرة للدولار.

اللافت أن الرقم الوحيد الذي يمكن مطابقته مع مصدر رسمي هو رسم الإقامة. فجدول رسوم الأمن العام المعدّل وفق موازنة 2026 يحدّد رسم الإقامة السنوية لحامل إجازة عمل من الفئة الرابعة، وكذلك الإقامة المؤقتة لسنة للسوريين، بـ18 مليون ليرة. أما بقية المبالغ، وأكبرها الـ2,000 دولار، فلا يعرف العامل ما الذي تغطّيه بالضبط، ولا كم منها رسوم رسمية وكم منها عمولات.

بيروقراطية بلا دليل

حين سأل العامل مخلّص المعاملات عن إجازة العمل، لم يحصل على شرح للإجراءات، بل على عنوان: «روح عالدكوانة، في هونيك شخص بيطلّعلك ياها. بتدفع 2000 دولار وبتطلع إجازة العمل». ويرى العامل أن المخلّص لا يتحمّس للملف لأنه لا يربح منه: «لو مستفيد كان ركض عليك». هكذا ينتقل العامل من وسيط إلى آخر، وتتراكم الأعباء الصغيرة فوق الكبيرة، حتى «الترويقة»، كما يقول، تصبح على حسابه حين تُنجز المعاملة.

المشكلة هنا ليست في غياب الرسوم المنشورة كليًا. فالأمن العام ينشر جدول رسومه، ووزارة العمل لها رسومها، والكاتب العدل له تعرفته. المشكلة في أن هذه المعلومات موزّعة بين ثلاث إدارات على الأقل، من دون دليل موحّد يشرح للعامل الطريق كاملًا ويقول له قبل أن يبدأ: هذه هي الكلفة الإجمالية، وهذا ما يذهب إلى كل جهة. حتى المفوضية تنبّه إلى أن الأمن العام قد لا يستطيع شرح الكلفة المرتبطة بوزارة العمل.

في هذا الفراغ تنشأ سوق للسماسرة ومخلّصي المعاملات. بعضهم يقدّم خدمة فعلية لعامل لا يملك الوقت أو المعرفة الإدارية، لكن غياب الدليل الموحّد يسمح بتحديد الأسعار من دون رقابة، وبإضافة أتعاب فوق الرسوم، وبإحالة العامل إلى وسطاء آخرين. فيدفع العامل ثمن البيروقراطية مرتين: مرة للدولة، ومرة لمن يعرف طريقه داخلها.

من يتحمّل الكلفة؟

تقول المفوضية إن رسوم إجازة العمل يُفترض أن يدفعها صاحب العمل. لكن العامل يؤكّد أنه هو من يتحمّل كل المبالغ المطلوبة. ويبلغ راتبه نحو 700 دولار في الشهر، ما يعني أن إجمالي المبالغ المذكورة في شهادته، أي نحو 2,300 دولار، يعادل أكثر من ثلاثة أشهر من أجره، وأن إجازة العمل وحدها تقارب أجر ثلاثة أشهر. وهذا يطرح سؤالًا على صاحب العمل أيضًا: لماذا تُحمَّل كلفة إجراء مرتبط بعلاقة العمل للطرف الأضعف فيها؟

لا تتهم الشهادة الشركة بممارسات أخرى، ولا يمكن تعميمها على كل أصحاب العمل. لكنها تُظهر كيف تنتقل الكلفة عمليًا إلى العامل حين لا تكون الإجراءات واضحة، ولا تكون هناك جهة تتابع من يدفع ماذا. وقد حاولت هذه المادة أن تفهم الكلفة كما يعيشها العامل، ويبقى من الضروري أن تجيب الجهات المعنية عن أسئلة أساسية: ما الرسوم الرسمية الكاملة لكل فئة؟ من يُلزَم بدفعها؟ وما الآلية المتاحة للعامل إذا طُلب منه أكثر مما يحدّده القانون؟

ماذا بعد 30 أيلول؟

حدّد الأمن العام 30 أيلول 2026 مهلة أخيرة لتسوية أوضاع العمّال السوريين الذين دخلوا لبنان شرعًا. وقبل ذلك، كان قد مدّد حتى 30 تموز 2026 إعفاء السوريين المخالفين من الرسوم والغرامات ومن منع الدخول إذا غادروا عبر المعابر البرية. وحتى منتصف تشرين الأول، لم نعثر على إعلان رسمي منشور يوضح ما ينتظر من لم يستكمل معاملته بعد انتهاء المهلة.

هذا الغموض يطال العامل الذي تحدّثنا إليه أيضًا. فبين مبلغ طُلب منه ولم يعرف ما يشمله، ووسيط يحيله إلى وسيط آخر، ومهلة انتهت، يبقى وضعه القانوني معلّقًا على معاملة لا يملك هو مفاتيحها.

في أيلول الماضي، نشرت «سبوت كاست» قصة عامل سوري في طرابلس أمضى 35 سنة في العمل من دون عقد. القصتان تلتقيان في نقطة واحدة: علاقة عمل بقيت لسنوات خارج الأوراق، ثم صار المطلوب فجأة أن تدخلها، بكلفة يتحمّلها العامل، وبإجراءات لا يعرف طريقها.

تنظيم سوق العمل حاجة فعلية، وحماية اليد العاملة اللبنانية مطلب مشروع. لكن التنظيم لا يتحقّق بتشديد الشروط وحدها. فهو يحتاج إلى رسوم واضحة ومنشورة في مكان واحد، وإلى تحديد صريح لمن يدفع، وإلى آلية شكوى لا تعرّض العامل لخسارة إقامته، وإلى منصة أو نافذة واحدة تُغني عن السماسرة. ومن دون ذلك، تتحوّل الورقة التي يُفترض أن تحمي العامل إلى عبء جديد، يدفع ثمنه وحده.

Facebook
X
WhatsApp

النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية لدينا للحصول على معلومات التحديث والأخبار والرؤى المجانية.