أثار توقيف عمر الأبطح ثم إطلاق سراحه جدلاً واسعاً بعد انتشار فيديو لطلاب يرفضون الاحتفال بالكريسماس ورأس السنة باعتبارها “مناسبات للكفار”. النقاش لم يعد محصوراً بالشخص أو بالإجراء الأمني، بل بالخطاب المستخدم وخطورة زجّ الأطفال في لغة تحمل إقصاءً وكراهية مبطّنة.
كلمة “كافر” لم تعد مفردة عابرة. هي كلمة مثقلة بتاريخ قريب من العنف والتكفير والقتل، ولذلك فإن تردادها في الفضاء العام، وخصوصاً على ألسنة أطفال، يثير خوفاً مشروعاً في بلد متعدّد الأديان مثل لبنان. المشكلة لا تكمن في الاختلاف الديني، بل في تحويل هذا الاختلاف إلى توصيف جارح وإلى أداة فرز داخل المجتمع الواحد.
وإذا أردنا أن نذهب بهذا المنطق إلى نهايته، وإذا قررنا تصنيف أبناء الوطن الواحد بين كافر وغير كافر، فالحقيقة البسيطة تقول إننا جميعاً “كفار”: المسلم كافر بنظر المسيحي، والمسيحي كافر بنظر المسلم. فماذا بعد؟ هل نقتل بعضنا؟ هل نبدأ حرباً أهلية جديدة كل شهر؟ هذا المنطق، إذا أُخذ حرفياً، لا يقود إلا إلى الخراب.
في المقابل، لكل ديانة حقها في خصوصيتها ومناسباتها. الكريسماس عيد مقدّس للمسيحيين ويجب احترامه، كما أن المسلمين غير مطالبين بالانصهار الديني فيه. الاحترام لا يعني المشاركة، والاختلاف لا يبرّر الإهانة.
لبنان لم يُبنَ على نقاء ديني ولا على فصل صارم بين الطوائف، بل على تداخل فرضته الجغرافيا والتاريخ. هذا التعايش الهشّ لا يحتمل اليوم خطاباً متشنجاً ولا كلمات مشحونة، خصوصاً في بلد ينهار على كل المستويات.
القضية ليست فيديو، بل لغة. ليست رأياً، بل تطبيع للكراهية. وحماية التنوع لا تكون بالقمع ولا بالشعارات، بل بكلمة مسؤولة، وبوعي بسيط: أن نحافظ على معتقداتنا من دون أن نجرح إنسانية غيرنا.





